هذه المدينة بلا خميس

12 نوفمبر 2019
الصورة
(الشاعر، تصوير: أماندا سيلي)
+ الخط -

الصيف والظلال

طوال صيف تلك السنة، شربنا وتمشينا معاً في شارع تحفّه الأشجار الطويلة. كنّا نتكلّم في أشياء كثيرة ونطارد الظلال، بمجرّد إمساكها، نضعها في سلّة صغيرة. وكلّ ليلة قبل العودة للمنزل، كنّا نعدُّ الظلال ونخيطها لنصنع منها عتمة. كنّا نستخدم تلك العتمة غطاء لسيارتنا المتوقفة.

في أحد الأيام، كنت ألعب الورق مع ظلّي، لا أعرف تماماً إن كان ذلك بسبب عدم كفاءتي التي كشفت في الحال عن الشريك المملّ الذي كنتُ، أو بسبب شعور ظلّي بالإهمال بجوار ظلالي الغريبة. لكن بدءاً من الدور الثاني صفق الباب وراءه وخرج غاضباً. ومنذ ذلك الحين الذي تركني، أصبحتُ بلا ظل. كانت آثار ذلك مباشرة؛ فقد توقف الناس عن الحديث معي، وطاردتني الكلاب بنباحها، وأصبح الأطفال يرمونني بالحجارة.

حاولت استعادة موطئ قدمٍ لي، متخذاً بعض القرارات. ذلك أنّي في استمرار انهمار يأسي، اقتنيت معطفاً، وتجوّلت برفقته كما لو أن شيئاً لم يكن. لكنه لم يكن ذات الشيء. لذلك قرّرت إعادة البحث عن ظلّي. لقد تغيّر حالي، أصبحتُ أكثر خوفاً، وحالما اعترفت بتأثير ظلّي، وبالسلطة المطلقة التي تمارسها هذه الحراسة، سرعان ما تعرّفت على الخوف، وليس من العار الإقرار بذلك. لقد كنتُ خائفاً من ظلّي.

يرافقني شعور المهانة، ذهبت للبحث عن ظلّي. كنت أفتش في عز الصيف، عندما كانت الزيزان تغنّي والحرارة تلسع. في صباح أحد الأيام تعرّفت على آثاره، بعد تسكعٍ دام لفترة طويلة. كان يشتغل في أكبر الشواطئ. في الليل عندما يصير غير مرئي تقريباً في الظلام، فيما يجوب الرمال المهجورة، كان ينشر المظلّات. ثم في الأيام المشمسة، على الشاطئ العاري من الظلال، كان يعرض خدماته، مستلقياً على الأجساد المتعبة للمصطافين، باسطاً نداوَتَه؛ كان يكسب الكثير من المال، ولم يكن من المنطقي العودة إلى إقامته الجبرية، شعرت حينها بجبيني يغرق في اليأس.

لكن في يومٍ ما تنكّر له الحظ، وانهالت عليه عصابة من النازيين الجدد، محدثين فيه عدة ثقوب بضربات مفك البراغي، مثلما يخترق وابل البَرَد قماش خيمة، منتقمين من بشرته السوداء. هكذا سحب ظلّي مزقه حبواً حتى عتبة البيت.

كنت غاضباً جداً لمّا استقبلته، لقد تعجلت في الحكم عليه وأدنته بلا محاكمة. إدانته وغضبي أعادا لي في نهاية المطاف حجمي الطبيعي. لقد قمتُ بتثبيت ظلّي بأربعة مسامير عند قاعدة منبه عتيق، وهو لا يزال هنا مصلوباً حتى الآن. إنه هنا فقط ليذكّرني بجميع الأوقات التي لم أعد أملك متسعاً من الوقت لها؛ فيما أذرع بيتا لا يتوقف عن الاتساع.

بالتوقف قليلاً،أحياناً.
بالتقدّم قليلاً، أحياناً.

هكذا نمضي قدماً، جميعنا، أفراداً و ظلالاً، يثقبنا الوقت؛ ونسبر المداخل، نستأجر الكلمات، نتحرّى الهدنات. بدون استثناء، نحن الذين خرجنا من ظلّنا لإيجاد العتمة.


■ ■ ■


أربعاء الرماد

يتساقط هذا المساء شتاء متطفل
بلا ثلوج يتساقط الثلج
بلا صقيع يتساقط الثلج
يستوطن ظهور المارة، الشاحنات،
مؤشر الصفحات وعقارب الساعات
ذاكرةً عذراء وهباء
شعلةً عذراء ورماد البشر،
الصفحات والأشجار
وأنت تكتب الآن
من الأسفل إلى الأعلى
بينما تشتعل الصفحة
من الأعلى إلى الأسفل
مهما أمسك شريط الزمن
بالقصيدة
أو الرماد
في الحارة الخامسة من ألبا، كل شيء يحيا
بين قوسين. في استراحة المدينة.
الحارة الخامسة من ألبا.
مدينة العزلة.
هذه الحارة لا يستوطنها سوى أشباه نيتشه. منهكين
من تكرار الوجود. يحلِّقون أبعد من الخير والشر،
للقيام بنزهات رومانسية قصيرة، تستبد بهم الآلهة والأفولات.
يرسمون شوارب على ملصقات فاغنر، يتجادلون بأصوات عالية
حول الأحدب، الصقر والثعبان.
يقبّلون الخيول على الأفواه، كذلك للزمن قبلات على الخدود، ويفعلون عادة
كل ما يفعله أشباه نيتشه.
والفجر يبتسم ملء أسنانه المكسورة
ذات يوم وجدنا ثلاثة من أشباه نيتشه مقتولين
تحت شجرة تفاح. الجثث مقطعة، لكن أعمارهم سليمة
وجميع التفاحات منبعجة
برغم تحدث السلطات عن تصفية حسابات جديدة، كنّا واثقين
تماماً أن القضية أعمق بكثير من مجرّد الإشارة إلى جريمة

هذه الفتاة
التي تدعى ألبا
الجالسة على مقعدها
بكتابٍ مفتوح ويومٍ بلا اسم
هي ذي الآن تنظر من النافذة
فيما يرسم رماد سيجارتها
خط اللامتوقع الرفيع
هي ذي الآن تنظر من النافذة
فيما المطر انهمار لا يكتمل
ومعجزة لا تكتمل


■ ■ ■


الخميس

(هذه المدينة بلا خميس)

ألبا المدينة الأخرى؛ الممكن المأهول. جرِّدت منذ زمن بعيد من ارتباطاتها
ومن حصتها من الآتي، تجذّرت في الأرض الدامية،
أضحت أرضها الآن زمناً متراجعا للوراء. (هنا بالتحديد، لا فرار، جميع المنافذ مسدودة)،
لكن هذا تقرّر منذ زمن بعيد. في عهد كانت المصاعد لا تزال عاجزة عن النزول.
حينما لم يكن باستطاعة أي نور إيقاظنا باستثناء العتمة
حينما كانت المدينة بأكملها تتقاسم مصباحا واحدا.
وهذا القطران الذي يترك عند المرور بقعة سوداء.
هكذا، بإبهام، كان يتسنى لوهج السجائر وحدها تنظيم الحركة، التوقف، والعبور.. كل شيء.

في الوقت الراهن ألبا تنهض من نومها بجميع أبوابها المفتوحة،
بقشرة جدرانها، بشرفاتها، وأرصفتها وفكوكها.
الحدائق المهجورة والعتمة، الطرقات التي تفيض بالحشود.
الأمهات اللواتي يحرثن أعمارهن بالعربات، التماثيل التي تجوب
امتدادات السكون، و الرايات المنزوفة تُرفع هامدة.
برك الشاطئ، المسابح البلدية والمصافحات الندية لليد؛
كل الأماكن حيث يخبط الأطفال رؤوسهم.
هنا بإمكانك أن تلتقي بروس مشنوقين، بأشخاص فقدوا ظلّهم
لمجرّد اشتعال عود ثقاب، بفتاة تنادي كل مساء على سنواتها،
برجال جد ممتلئين؛ أجساداً، عمراً، وقامة.

هنا سترى ما تفرغه الشِّباك والأقفاص، لهؤلاء الذين يتعقبون باستمرار الأقل.
ليس الأقل القليل للاكتفاء الذاتي، لكن الأقل الذي
يصير كثيراً لمجرّد أن الكثير ليس كافياً.
هنا سترى النساء البدينات جالسات على الشرفات، بضربة من مراوحهن
يقتلعن الأشجار هناك بعيداً على التلال.
على كاهل العابرين تتمدّد الألسنة مثل القلوع.
الإيماءات تنبت في مشاتل المدينة، والمجرى مشجّر بالأضراس.
تَطلّعْ من الساحة إلى ساعة البرج. تلك العين المتزامنة بين جميع الغائبين.
لكن لا تهيئ دون جدوى الأسئلة، الساعات لا تعرف شيئاً عن الوقت.
خارج الوقت ذاته بالطبع.

هنا ستكتشف كم هو التصوير مجرّد تشويه.
سكان ألبا يعرفون ذلك. لهذا السبب عندما تلتقط لهم صوراً،
وجوههم ترفض الطباعة. كما لو كانوا أطيافاً أو أشباحاً، أو أقزاماً للغاية.
صامتين، و مبتسمين، يتواجدون باستمرار في الفضاء الآهل بغيابهم.
هنا لا تؤجّل الصور إلى وقت لاحق.
سترى هؤلاء الذين يركضون بشكل محموم إلى منازلهم.
إنهم أناس بوقت مستعار؛ في هذه الساعة فقط يتذكرون أن عليهم غداً صباحاَ الحضور باكراً إلى مكتب الحالة المدنية لتغيير الاسم واللقب، وتدمير بصمات الأصابع، متحسّسين لمسة مجهولة.
عندما ستُمضي ما يكفي من الوقت، ستتعرف ربما على واحد من العشرين رجلاً. بالمشبك الأحمر على بطونهم. في هذا التوقيت بالضبط، يغادرون من جميع أنحاء المدينة تاركين الحشود وراءهم، ليأخذوا مقاعدهم على الصخرة للاستراحة هناك. طيلة ساعات متواصلة لا يتكلّمون ولا يلتزمون بالصمت، فقط يجترحون إيماءات.
شيفرة ما تستقر شيئاً فشيئاً، مباشِرة في تلك الساعة فكّ رموزها.
في هذه اللحظة يتقدم الصمت بكعب من حديد، بينما أنت تتواجد خارج مقبرة المدينة،
جالساً على الحافة، محاولاً اغتنام الوقت من مؤاتاة الوقت. إنها الساعة التي نشعر فيها بالموتى يغيّرون وضعية نومهم. وأيضًا عندما يتغيّر على الخريطة الشرق والغرب، كما لو أننا لو نخترق فجأة المرآة متعانقين.

على صفحة الصباح البيضاء برمتها
ألبا
مضطجعة بملئها على إصبعها
تشعل وتطفئ ظلال الرجال
- سكّان مدينة ألبا -
فيما يتهامسون بالفجر
بصوتها في أفواههم.


* Thomas Tsalapatis شاعر يوناني من مواليد عام 1984. درس المسرح في "جامعة أثينا". من مجموعاته الشعرية التي ترجمت إلى الفرنسية؛ "شروق الشمس مجزرة يا سيد كراك" (2011)، و"ألبا" (2015، الصورة). كما نشر كتاب مختارات من قصائد الشاعر الإيرلندي ويليام باتلر ييتس ترجمها إلى اليونانية. تسبح قصائد تسالاباتيس في أجواء عجائبية عبثية، وتتقدم بسخريتها السوداء في عالم يفتقد إلى المعنى، حيث يتهاوى كل شيء.
** ترجمة: ميشرافي عبد الودود