هذه الضجّة عن زيارة هنية بيروت

13 سبتمبر 2020
الصورة

صورة وزعها حزب الله للقاء حسن نصرالله وإسماعيل هنية في بيروت (6/9/2020/الأناضول)

تحوّلت زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إسماعيل هنية، إلى موضوع جدل كبير لبناني – فلسطيني، سببه الظاهري العلني المواقف المتشدّدة التي أطلقها هنية من بيروت، وبصورة خاصة مظاهر السلاح الفلسطيني التي رافقت زيارته مخيم عين الحلوة في صيدا. وبحسب منتقدي الزيارة، أحيت كوابيس الحرب الأهلية المقيتة، بينما اعتبرتها أطراف لبنانية أخرى أنها تدخل في الصراع الدائر في لبنان بين محور المقاومة بقيادة إيران وحزب الله والمعسكر المعارض له المدعوم من الدول الغربية.
جاءت زيارة هنية إلى بيروت قادماً من تركيا في توقيت فلسطيني حساس للغاية، بعد تطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل، والتخوّف من أن يؤدّي إلى عمليات تطبيع مع دول عربية أو إسلامية أخرى، على حساب تهميش القضية الفلسطينية، والحاجة الملحّة للقيادات الفلسطينية إلى تعبئة موقف عربي معارض للخطوة الخليجية، بموافقة مصرية وأردنية علنية وسعودية صامتة. وأتى اجتماع الفصائل الفلسطينية الذي رافقة مؤتمر مشترك مع الرئاسة الفلسطينية في رام الله، ألقى فيه عباس وهنية كلمتين، ليخدم هدفاً مركزياً؛ تقريب المصالحة بين منظمة التحرير و"حماس"، ومحاولة إظهار موقف فلسطيني موحد في مواجهة الاتفاق الإماراتي مع إسرائيل. كذلك أتى في ذروة تحضير إسماعيل هنية معركة إعادة انتخابه رئيساً للمكتب السياسي للحركة في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، في مواجهة خالد مشعل الذي شغل سابقاً المنصب، بالإضافة إلى احتمال تحدّثت عنه صحف إسرائيلية أن يترشّح مسؤول "حماس" في قطاع غزة، يحيى السنوار، الذي حسّن، في الآونة الأخيرة، كثيراً من صورته وسط أهالي غزة، بعد أن تمكن في جولة التصعيد أخيراً ضد إسرائيل من انتزاع مكاسب لتحسين حياة المواطنين الذين يرزحون تحت الحصار الإسرائيلي ووباء كورونا، مثل زيادة المساعدات المالية من قطر، وإجبار إسرائيل على تنفيذ وعود قدّمتها في التفاهمات السابقة بتسريع العمل على مشاريع بناء بنى تحتية يستفيد منها أهل القطاع، وزيادة عدد العمال الفلسطينيين الذين تسمح لهم بالعمل فيها. واستخدم الرئيس أبو مازن اجتماع بيروت أيضاً لتعزيز زعامته السياسية.

جاءت زيارة هنية في توقيت فلسطيني حساس للغاية، بعد تطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل

ولم يكن التوقيت اللبناني للزيارة أقل حساسية وتعقيداً، على الرغم من أن اجتماع الفصائل الفلسطينية في بيروت لم يكن الأول فيها، لكنه هذه المرة جاء في مرحلة شديدة التعقيد يمرّ بها لبنان، في ظل التداعيات الكارثية التي أحدثها انفجار مرفأ بيروت، وزيارات الدعم من الدول الغربية للبنان لمواجهة آثار الكارثة، والمبادرة التي حملها الرئيس الفرنسي، ماكرون، للتسريع في تشكيل حكومة لبنانية جديدة، مهمتها الأولى الإصلاح المالي والإداري، والمبادرة التي أطلقها البطريرك الماروني التي تنادي بحياد لبنان وابتعاده عن صراع المحاور، وكذلك في ظل الصراع بين محور الدول العربية الداعمة اتفاق التطبيع مع إسرائيل والدول الرافضة له، وفي مقدمتها إيران وتركيا، ولبنان واحدة من ساحات هذا الصراع.
وقد ساهم الهجوم على زيارة هنية من أطراف لبنانية من مختلف الانتماءات في إخراج الزيارة من سياقها الفلسطيني الشديد الأهمية في هذا التوقيت بالذات، وأدخلها ضمن صراعات الأطراف اللبنانية الداخلية المحتدمة، وأثار حساسيات لبنانية اعتقدنا أنها ولّت منذ زمن طويل، وألقى الضوء مجدّداً على أهمية عمل لجنة الحوار الفلسطيني اللبناني على صعيد تقريب وجهات النظر بين اللبنانيين والفلسطينيين في لبنان، من مختلف المسائل والقضايا التي تهم الطرفين.
هل جاءت زيارة هنية إلى بيروت في التوقيت الخطأ؟ سؤال مطروح، لا سيما وأن الجدل الذي أحدثته في الداخل اللبناني أرخى بظلاله على الهدف الفلسطيني المأمول من الزيارة، وهو توحيد الموقف الفلسطيني من اتفاق التطبيع مع إسرائيل، فإذا بالزيارة تتحوّل بالنسبة إلى بعض اللبنانيين إلى عملية نبش قبور مرّ عليها الزمن.