هذا النجاح للرأي العام في الأردن

05 اغسطس 2019
الصورة
أثارت عمليات تصوير الفيلم الأميركي "جابر" في جنوب الأردن، لمخرجه الأردني الأميركي، محيي الدين قندور (1938)، النقاش والجدل في الشارع الأردني، بعد شهر على عاصفة فيلم "جِن" الذي أنتجته شركة نتفليكس الأميركية، ورفضه الأردنيون بسبب المحتوى الاخلاقي فيه، والذي يتنافى مع قيم مجتمعهم. أما "جابر" الذي تنتجه شركة سنديكا الأميركية، فلا يتعارض مع تاريخهم وحسب، بل يشوّهه، ويعطي حقاً للوجود اليهودي على أرضهم. كاتبه هو المخرج نفسه، وكان والده مديراً للأمن العام، وهو أحد قادة الجيش الأردني في حرب 1948. وقد فنّد قندور مزاعم الشارع التي أثارها فيلمه المستخلص من روايةٍ صدرت له قبل أعوام، معتبرا في تغريدة له أن الجدل محض "مزاعم فيسبوكية" مردّها الخلاف على "الأجور" مع الفنانيّن. وهو قولٌ ينفيه الممثلون المنسحبون من الفيلم، وأعلنوا أنّ رفضهم للمحتوى، ولأسباب تتعلق بالنص وتشويه التاريخ الذي يحمله الفيلم الممنوح رخصة تصوير في مدينة البتراء من الهيئة الملكية للأفلام في الأردن، وقد فسّروا انسحابهم بأنه بسبب مزاعم في السيناريو عن أحقية اليهود في فلسطين والبتراء وجنوب الأردن. 
جاء الرد الحكومي مباشراً بعد تصاعد الرأي العام عبر الفضاء الإلكتروني، ومطالب نخبوية ونقابية ونيابية بوقف التصوير، وبرز الرد في تكليف رئيس الوزراء، عمر الرزاز، هيئة الإعلام والهيئة الملكية للأفلام بتقييم محتوى "جابر" ودراسته، بعد انسحاب الممثلين الأردنيين منه، بسبب السيناريو الذي أكّدوا أنه "مسيء لتاريخ الأردن"..، ومغالطات تاريخية فيه تستند إلى الرواية التوراتية، إن اليهود قضوا جزءا من تاريخهم في البتراء، في مشاهد من الفيلم الذي يتضمن حكاية فتىً من مدينة البتراء، يجد بالمصادفة حجراً مكتوباً عليه بحروفٍ عبرية كلمة
 "سيلا"، فيرسله إلى دائرة الآثار الأردنية، وتبدأ بعدها مغامراتٌ ذات بعد تاريخي، تحاكي قصة خروج اليهود مع نبي الله موسى، عليه السلام، من مصر. وقد شدّد الرد الرسمي باسم رئيس الحكومة على أنّ أي عمل ثقافي، أو فني، يتم إنتاجه وتصويره على الأرض الأردنية، يجب أن يتوافق مع ثوابت الأردن والهوية الوطنية. وتبع ذلك قول وزيرة الدولة لشؤون الإعلام، الناطق باسم الحكومة، جمانة غنيمات، إن الحكومة تتعهد بإجراءاتٍ فوريةٍ للوقوف على محتوى "جابر".
ولكن كلّ هذا التفاعل الحكومي قد لا يسمح بوقف التصوير، كون الشركة المنتجة أميركية، وحاصلة على ترخيص من الهيئة الملكية للأفلام التي يمنحها قانونها الولاية في منح التراخيص للافلام ودعم الاستثمار في القطاع السينمائي العالمي الذي أنتج أكثر من فيلم في الجنوب الأردني، غير أن المخرج أعلن لاحقا وقف التصوير.
دلت الواقعة كلها على أن الرأي العام الأردني سجّل تفاعلاً إيجابياً من خلال رفض أي حقوق تصوير، تعطي رخصة أو توفر منصة على الأرض الأردنية للادعاء بوجود تاريخي لليهود على الأرض الأردنية، وهو ما نفاه مؤرخون وأكاديميون من جامعات أردينة، أبرزهم رئيس جامعة اليرموك، الخبير الآثاري زيدان كفافي، وزيدون المحيسن من الجامعة ذاتها، المنقب والآثاري المختص بتاريخ الأنباط، وكذلك أساتذة الآثار في جامعتي الحسين بن طلال والهاشمية. وقد دخل كاتب الدراما، محمود الزيودي، على الجدل، وكتب أن فيلم "جابر" محض افتراء على التاريخ، وأشار إلى مغالطات كثيرة في الروايات الملحيّىة الشفوية المتوراثة التي تنفي وجود قبر للنبي هارون على أعلى قمم البتراء. وطالبت نقابة الفنانين الأردنيين، في بيان شديد اللهجة، الممثلين بالانسحاب من الفيلم.
وانتهى المشهد الذي استمر أسبوعا يوم السبت الماضي، 3 أغسطس/ آب، بإعلان فريق الفيلم وقف تصويره، وهو موقفٌ لا يبدو أنه من إكراهات الرأي العام الأردني وتأثيره وحسب، بقدر ما يتعلق بموقف حكومي تجنّب الصدام مع الشركة المنتجة. وزادت من تعقيد الأمور زيارة وفد يهودي مقام النبي هارون في مدينة البتراء، وإجراؤهم طقوسا دينية فيه، وهي زيارات تكرّرت منذ سنوات، يجيزها نص في المادة 9 في اتفاقية السلام الأردنية – الاسرائيلية، أن "على الطرفين السماح بحرية زيارة الأماكن التاريخة ذات البعد الديني". ولكن موقف الحكومة، ممثلة بوزارة الأوقاف التي أغلقت المقام، وسلمت مفاتيحه لمديرية أوقاف مدينة معان، لاقى احتجاجا إسرائيليا بحسب صحيفة يديعوت أحرنوت، ولكن مجمل ما حدث يسجل نجاحاً للرأي العام الأردني.