هذا الكلام في حماس

15 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
واحدةٌ من مصائب تقيم منذ عقود في الفصائل الفلسطينية، ما انضوت منها في السلطة الوطنية وما عارضتها، شهوة الكلام عند قياديين كثيرين فيها، فلأيٍّ من هؤلاء أن يقول أي كلامٍ وفي أي وقت، من دون أن يعدّ للعشرة، وهو يشرّق ويغرّب في غير مسألة، أو وهو يتجاوز، أحيانا، مقرّراتٍ وإجماعاتٍ صادقت عليها جماعتُه، ثم ليس من يسائل أو يحاسب أو يراجع. وإذ يتحسّب واحدُنا عندما يؤاخذ حركة حماس على كثيرٍ من هذا السلوك، وغيره، صدورا عن أنها مستهدفةٌ من الوحش الإسرائيلي، ويُغالب المقاومون فيها أوضاعا شديدة الصعوبة، فإنه، في الوقت نفسِه، يجد حالَه مدفوعا إلى بقّ أكثر من بحصة، صدورا عن أن الحركة المجاهدة، عندما أناطت بنفسها مسؤولياتٍ ثقالا، مقاوِمِةً وصاحبة سلطةٍ حاكمةٍ في آن، في قطاع غزة الذي ينوء ناسُه تحت حصار معلوم، فإنما وضعت نفسَها في مرمى المطالبات بأن تستمع إلى النصائح بأن تغادر النزوع الفصائلي الضيق، وتغلّب المشترك على الخاص، وإن وجدت في الأمرين ما لا يستقيم مع وزنها ومكانتها. أما بشأن شهوة الكلام الفالت، فقد عوين، في الأيام القليلة الماضية، منسوبٌ عالٍ منها لدى قياديين في الحركة المقدّرة، الأمر الذي يستوجب أكثر من نقطة نظامٍ بصددها، سيما وأن ما زاوله هؤلاء لا يخصّ "حماس" وحدها، وإنما يتعلق بشعب فلسطين وقضيته وحاضره.
دعا عضو المكتب السياسي لحركة حماس، فتحي حمّاد، أخيرا، الشباب الفلسطيني إلى ذبح اليهود في كل مكان بالسكاكين، من دون أدنى استشعارٍ منه لفداحة الأثر الذي يشيعه كلامٌ كهذا، يجهر به رجلٌ له حيثيته، لدى الصهاينة المحتلين الذين يستقبلون بغبطةٍ فائضةٍ هذه الدعوة، الشاذّة عن تعاليم الإسلام، والبعيدة أساساً، في مفرداتها ومنطوقها، عن برنامج "حماس" نفسه، لما تشتمل عليه مما يغذّي الدعاية الصهيونية بمضمونٍ يروّع الضمير الإنساني في العالم. وبذلك، يخصم فتحي حمّاد من رصيدٍ أخلاقي ثمين القيمة، راكمه الفلسطينيون لقضيتهم، ولأفقها الكوني. ومعلومٌ أن هذا الرجل سبق له أن "حسم" أنه ليس هناك فلسطينيون، بل هناك عرب جاءوا من مصر والجزيرة العربية، وتلقف نتنياهو هذا الكلام المستهجن ليسلّح به زعم الصهيونية عن الفلسطينيين ناسا طارئين على "أرض الميعاد".
أما العضو الآخر في المكتب السياسي، محمود الزهار، فقد أبدى ندماً على قطع "حماس" علاقاتها بالنظام السوري "الذي فتح أبوابه لكل الفصائل الفلسطينية"، واسترسل في مدائح أثنى فيها على النظام المذكور، وقال إنه كان من الأوْلى أن لا تتركه الحركة، أو أن لا تدخل معه أو ضده في مجريات الأزمة. وأرطال الغرابة في هذه الأقوال كثيرة، فلم تقاتل "حماس" نظام دمشق، ولا دسّت نفسها في أزمته، وإنما غادرت قيادتُها سورية، بعد أن تواصل رئيس مكتبها السياسي السابق، خالد مشعل، مع الرئيس بشار الأسد، في محاولة العثور على سبلٍ تمكّن سورية من النجاة من حال سيئ إذا ما واصل النظام صيغته العسكرية الحربية في مواجهته التظاهرات السلمية في تلك الشهور الأولى. وبعد ذلك، لم تنشط "حماس" في أي تحرّك ضد هذا النظام، وإنما أصواتٌ خافتة فيها انتقدت، بحذر، صلف النظام وإيلاءه الرصاص على العقل. ثم كيف يظن الزهار أن مغازلته السلطة الكرتونية في دمشق سيتم استقبالُها بأحسن منها، وأن بشار الأسد ومن حواليه سيبادرون إلى رمي حبل المودة والوصال مع "حماس". لم يفعل أمرا كهذا مع دول عربية، بعضها جار له وأخرى كبيرة في المنطقة، أرسلت إليه غير مرة رغبتها بعودة العلاقات، ثم لم يحفل بها. وهذا كله، فيما قصة الأسد ونظامه هي مع الشعب الفلسطيني أصلا، وليست مع "حماس"، فدماء آلاف الفلسطينيين الذين قضوا برصاصه، وكذا الذين ماتوا تعذيبا في زنازينه، في أعناق شعبهم كله.
.. قال عضو المكتب السياسي، خليل الحيّة، كلاما طيبا عن المصالحة مع حركة فتح، وإنْ أوحى أن "حماس" مصانةٌ من أي مأخذ في ملف الانقسام المخزي، غير أنه استطاب إجراء انتخاباتٍ شاملة، من يوم غد بحسبه، إذا لم يتحقق إجماع الكل الفلسطيني لتحقيق الوحدة الوطنية.. وموجز القول هنا إنها كارثةٌ جديدةٌ لو تم المضي إلى انتخاباتٍ فلسطينية على أرضية الانقسام الراهن. أخطأ الحيّة في كلامه هذا الذي على عواهنه، والبادي أنه من دون مرجعية حركية، كما كلام كثير يفتعله ناسٌ في "حماس"، من دون حساب أو تعقل.

دلالات