هذا الصراع السعودي - الإيراني

22 يوليو 2020
الصورة

زار وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، العراق قبل يومين، شاع أنه أراد توسيط رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، لتخفيف حدّة التوتر مع السعودية التي اختارها الكاظمي لتكون محطته الخارجية الأولى (تأجلت الزيارة بسبب دخول الملك سلمان المشفى). وبغض النظر عن اللغط الداخلي الذي أثارته الزيارة في العراق، إلا أنها خطوة إيجابية، إذا صدقت النيات، تحتاجها المنطقة التي أنهكتها عقود من الصراع السعودي - الإيراني.

كان التنافس بين الطرفين قائما قبل سقوط نظام الشاه، لكنه كان مضبوطا باصطفافات الحرب الباردة، وتحالف الرياض وطهران مع واشنطن، فضلا عن وجود العراق ضلعا ثالثا في معادلة التوازن الإقليمي. تغيرت الصورة كليًا بعد عام 1979، عندما أعلن النظام الجديد في طهران عن هدفه تصدير الثورة، وإطاحة حكومات المنطقة الحليفة للغرب، وإنشاء نظام إقليمي جديد تهيمن عليه إيران. فشلت هذه السياسة نتيجة تحالف دول الخليج العربية مع العراق، لاحتواء طموحات طهران الإقليمية التي جاءت، هذه المرة، بلبوس قومي – ديني، بعد أن كان طابعها قوميا - ليبراليا أيام الشاه.

عقب فترة هدوء وتقارب شهدتها العلاقات السعودية الإيرانية، مع وصول الرئيس محمد خاتمي إلى الحكم في إيران عام 1997، استأنف الطرفان العداء بينهما إثر الغزو الأميركي للعراق، وتصاعد مع وصول التيار الأصولي إلى الحكم عام 2005، بقيادة أحمدي نجاد، لتشتعل حرب طائفية مريرة انطلقت من سامراء، بتفجير مرقد الإمامين العسكريين في فبراير/ شباط 2006، وليدخل العراق على أثرها مرحلة مظلمة، أمعنت فيها المليشيات الشيعية، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، الذي أنشأه الأردني أبو مصعب الزرقاوي، في القتل على أساس طائفي.

مثّل العراق، والى حد ما لبنان، خلال تلك المرحلة، ميدان التنافس الرئيس بين البلدين، لكن الساحات اتسعت مع انطلاق الثورات العربية، لتشمل البحرين وسورية واليمن. ففي البحرين سحقت قوات درع الجزيرة بقيادة سعودية الحركة الاحتجاجية السلمية التي ساهم في القضاء عليها إعلان إيران دعمها لها. أما في سورية فقد اندلعت أسوأ حرب وكالة إقليمية منذ الحرب الأهلية الإسبانية (1936 - 1938)، شاركت فيها إيران والسعودية بشكل رئيس، إلى جانب دول عديدة أخرى. وقد جند الطرفان لها من أركان الأرض الأربعة ما استطاعوا من مرتزقة جاؤوا بدافع مادي، أو جهاديين، باحثين عن قضية يقاتلون من أجلها، فأنشأت إيران مليشيات شيعية استقدمتها من العراق وباكستان وأفغانستان، إضافة إلى أفراد من شيعة الخليج، وطبعا حزب الله اللبناني، الذي تولى زمام القيادة، بصفته تنظيما رئيسيا بين المليشيات الأممية الشيعية التابعة لحرس الثورة. على الطرف المقابل، دعمت السعودية، ودول خليجية أخرى، جهاديين جاؤوا من أصقاع الأرض لمقارعة إيران ومليشياتها في "الجهاد الأكبر" الذي أعلنوه في أرض الشام، حتى بلغ عدد الجنسيات التي كانت تقاتل في سورية عام 2015، بحسب دراسة لمعهد دراسات الحرب، نحو 82 جنسية ينتظمون في مليشيات وتنظيمات سنية وشيعية، فضلا عن متطوعين يساريين قدموا لدعم وحدات حماية الشعب الكردية.

ولم يسلم اليمن من تبعات التنافس السعودي - الإيراني، على الرغم من أنه دخل الحلبة في مرحلة متأخرة نسبيا. ومع أن إيران بدأت تنسج علاقات مع قيادات الحوثيين في اليمن منذ عام 2004، إلا أن اليمن لم يلفت انتباهها إلا عام 2014 عندما تمكّن الحوثيون من السيطرة على صنعاء، وتحول أداة ضغط مهمة على السعودية، لصرف اهتمام هذه الأخيرة عن الساحات الأكثر أهمية لإيران في المشرق العربي. ولم يقتصر التنافس السعودي - الإيراني على المنطقة العربية، بل امتد ليشمل باكستان التي تشهد توترا سنيا - شيعيا متزايدا، وبلغ ماليزيا وإندونيسيا، وانتقل إلى أفريقيا على شكل حملات شراء نفوذ وتشييع.

لقد تسبب التنافس الإيراني - السعودي المستمر منذ أربعة عقود بدمار كبير لشعوب المنطقة ومجتمعاتها، وأعادها عقودا كثيرة إلى الوراء، وما لم يجد البلدان طريقة لوقفه، فسوف يأتي عليهما أيضا، فالسياسة التي يتبعها السعوديون والإيرانيون الآن هي حرفيا وصفة انتحار تسير بهما وبالمنطقة نحو الهاوية، خصوصا في ظروف الجائحة، وشح الموارد، وظهور بوادر انهيار "النظام العام" على امتداد المنطقة.