هدم مسرح السلام: اغتيالات بطيئة للإسكندرية

20 يونيو 2016
الصورة
(بدايات عملية هدم مسرح السلام في "سيدي جابر")
+ الخط -
على طراز معماري فريد بيضاوي الشكل، افتُتح مسرح "السلام" في الإسكندرية سنة 1954 ليصبح أحد أشهر معالمها، فهو من المباني القليلة في مصر ذات "الغلاف الإنشائي القشري"، بمعنى أن فراغَه الداخلي لا تعترضه أعمدة أو عناصر إنشائية تعوق إعادة استغلاله في الكثير من الأغراض، وهو من تصميم المعماري سمير ربيع (1936-2016).

"السلام" يتعرض الآن لعملية هدم غير واضحة، وهو ليس أول مسارح الإسكندرية التي تلقى هذا المصير، فمن قبله هُدمت مسارح "الكوتة" و"إسماعيل ياسين" و"العبد" الهلنستي الأثري وغيرها.

الآراء حول مشهد الهدم كانت متضاربة، ففي الوقت الذي تتنصل فيه الدولة من مسؤوليتها بحجة أن المسرح لا يندرج ضمن قائمة المباني الأثرية؛ يتّهم بعض المثقفين التيارات الدينية بالتورّط في عملية الهدم؛ الكاتب المسرحي حمدي نوار، صرّح بأن هدم هذا المسرح "يُعدّ انتصاراً لإرهاب السلفية" في حين أن الأرض التي عليها المسرح أصبحت من أملاك الجيش، وأن الفندق المزمع تشييده سيكون ملكاً للقوات المسلحة، وفقاً لنشطاء.

"لم يعد يساورني أدنى شكٍّ في أن يدًا ليست خفية تصرُّ على تشويه كل قيم الجمال في مدينتي، وتعريتها من كل مظاهر الحضارة والإبداع، وطمس هويتها الثقافية، ونزع خصوصيتها وتفردها، اتفاقًا مع بلادةِ السّلوك العام وخموله المقيت والبغيض، وقهر كل قيمة إيجابية"، هكذا علّق الشاعر أيمن صادق على الهدم، مشيراً إلى أن هذا الإجراء مجرد حلقة من مسلسل طويل من تجريد المدينة من هويتها، مسلسل لم يبدأ من هدم المسرح العريق ولن ينتهي به.

من جهته، يبرّر رئيس "جهاز التنسيق الحضاري" محمد أبوسعدة، أن المسرح غير مسجل كمبنى له طراز معماري خاص، وغير مدرج في قوائم حصر المباني التراثية؛ لذا فإن "الجهاز" لا يحق له وقف الهدم.

ورغم استمرار عمليات الهدم حتى اللحظة؛ فإن بعض المثقفين يُمنّون أنفسهم بأن المسرح الذي يُهدم بحجّة مشكلات في إمكانية ترميمه، سوف يحل مكانه مبنى ثقافي آخر. من هؤلاء الآملين مدير "مركز الحرية للإبداع" وليد قانوش، الذي لا يزال ينتظر توافر المعلومات حول مستقبل المكان بعد الهدم، وهل سيكون مسرحاً جديداً يستكمل مسيرة المسرح القديم، رافضاً أن يحلّ محلّه منشأة غير ثقافية.

لم توضح أي جهة رسمية حقيقة ما يجري ومصير الموقع، كما يحدث في مثل هذه الحالات، ولم تراع الجهات المسؤولة أن الإسكندرية بعد هدم "السلام" ستكون فقيرة مسرحياً؛ إذ لن يتبقى سوى مسرحين فقط في المدينة كلها. فيما ودّع بعضهم المسرح الذي قدّم "أوبريت الليلة الكبيرة" لصلاح جاهين، ومسرحيات كبيرة تعدّ جزءاً أساسياً من تاريخ المسرح المصري الحديث.

احتجاجات الناشطين على مواقع التواصل وعلى مقاهي المثقفين الغاضبة لم تثمر حتى الآن، فأعمال الهدم لا تزال مستمرة، بالرغم من أن هؤلاء الناشطين استطاعوا أن يوقفوا عملية هدم "أتيليه الإسكندرية" المدرج بالفعل ضمن قائمة المباني الأثرية لدى الدولة، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وبشكل عام تلقى المعالم الأثرية والمواقع الثقافية التاريخية في الإسكندرية إهمالاً كبيراً من قبل الجهات المسؤولة، فتتعرّض للتعديات وتتحوّل مأوى للقطط والكلاب الضالة، مثلما هو حال "سور الإسكندرية" و"حدائق الشلالات" و"البرج الغربي"؛ وهي آثار من عصري الرومان والبطالمة. كما أن المياه الجوفية تهدّد مناطق أثرية غاية في الأهمية مثل "كوم الشقافة" و"الأنفوشي"، أمّا "عمود السواري" الغرانيتي الأحمر في حي كرموز، والذي أقيم تخليداً للإمبراطور دقلديانوس في القرن الثالث الميلادي، فآخر أخباره أنه محاطٌ بالقمامة والفوضى وفضلات الحيوانات، فيما تحوّل سور "المتحف الروماني" إلى مقلب للقمامة بعد أن أغلق لخمس سنوات من دون أن تمتد له يد الترميم.

الإهمال وصل إلى تمثال "كاتمة الأسرار" للنحات الكبير محمود مختار في حيّ الأزاريطة؛ فبعد مطالبات عديدة بترميمه؛ انتهى به المطاف إلى المجهول، وسُرق من موقعه ولا يعرف مصيره أحد. المصير نفسه لحق بمساجد المتصوفة وأضرحتهم، مثل "سيدي جابر" و"سيدي بشر" و"سيدي المُرسي" وغيرهم، إذ تضم الإسكندرية حوالي ألف مسجد قديم لم يُسجّل منها ضمن المباني التراثية سوى خمسة فقط.

وبالعودة إلى المسارح المهدمة؛ فقد لقي مسرح "العبد" مصير الهدم بحجة أنه لم يكن أثراً، ليقام محلّه مشروع سكني خاص. المفارقة، وأنه أثناء عمليات الحفر في موقع المسرح في منطقة الإبراهيمية، عُثِرَ على مجموعة من الآثار القديمة، ورغم إبلاغ الجهات المختّصة بذلك، تركت القطع حتى سُرقت في سيارات نقل من دون أن يعترضها أحد، ونشرت الصحف ذلك، من دون أن تلقى استجابة أو توضيحاً من وزارة الداخلية أو الآثار أو الثقافة. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قام أحد مسؤولي "تطوير الآثار" في المحافظة، بـ "تطوير" قلعة "قيتباي" المملوكية وتحويلها إلى صالة أفراح يمكن استئجارها.

بالنسبة للروائي منير عتيبة، فيعتبر أن ما يحدث لمعالم الإسكندرية ليس خطة ممنهجة، بل إنه تجسيد لـ "قوة بطش العشوائية، وأن العدو العاقل المتآمر ليس هو من يدير المشهد، وإنما الصديق الجاهل"، مطالباً المسؤولين بتحري الأصول العلمية واحترام الخبرات قبل الإقدام على أي إجراء من شأنه تغيير معالم المدينة والعبث بروحها التاريخية، ويعقّب "لست ضدّ هدم مبنى ما وإقامة آخر مكانه، فنحن لا نعبد الأشياء، ولا نقدّس القديم لكونه قديماً؛ لكننا نطالب بمعرفة مآلات إجراء الهدم، ونرجو حسن إدارة المشهد، فإذا كان ينتمي إلى حيز التطوير فهذا أمر جيد، وإذا كنا سنستبدل مبنى ثقافياً وترفيهياً حديثاً بآخر متهالك يصعب ترميمه، فهذا مكسب. أما ما تفعله الجهات المسؤولة من عدم الشفافية فهو أمر يثير القلق".

وتفادياً لما ألمّ بالإسكندرية في السنوات الماضية من محاولات تطوير غير مدروسة لتحقيق فوائد مادية مثل تطوير الكورنيش وتطوير ترام الإسكندرية الشهير؛ أكد عتيبة أن البلد لا يفتقر إلى متخصصين ذوي خبرات عالية كبيرة في جميع المجالات المعنية بالعمارة والفنون.

وكانت محافظة الإسكندرية قد بدأت بعملية تطوير كبيرة على الصعيد المعماري، خصوصاً في منطقة الكورنيش بين عامي (1997-2006)، وكان "التطوير" عشوائياً، وقد احتج فنانون آنذاك، ومن بينهم عصمت داوستاشي، والذي نبّه إلى أن مدة صلاحية مواد البناء والتطوير لا تتجاوز عشر سنوات، وهو ما حدث بالفعل.

المساهمون