هجرة سرية... عائلات تونسية تختار حياة أفضل أو الموت

01 اغسطس 2020
الصورة
تبكي فقيدها بسبب غرق أحد قوارب الهجرة (سفيان حمداوي/ فرانس برس)

تزداد الهجرة السرية في تونس، وقد باتت عائلات كثيرة تختار خوض هذه التجربة، من دون أن يقتصر الأمر على شخص أو اثنين من العائلة كما في السابق، حين كانت الأوضاع المعيشية أفضل من الوقت الحالي. وما بعد الحجر الصحي (رفع بشكل شبه كامل في 14 يونيو/ حزيران الماضي مع استثناء بعض القطاعات) الذي شهدته البلاد نتيجة تفشي فيروس كورونا، لجأ كثيرون إلى الفرار من خلال قوارب الهجرة باتجاه السواحل الإيطالية، علّهم يتمكنون من البقاء مستعينين بوجود أطفال قصّر معهم وكبار في السن وأشخاص معوقين، إذ تمنع مواثيق الهجرة الدولية ترحيلهم.
ونجحت أكثر من ثلاث عائلات في الوصول إلى السواحل الإيطالية بأمان، وقد فرت من سواحل مدينة الشابة في محافظة المهدية الواقعة على الساحل التونسي. ويتداول مواطنون قصصاً كثيرة لعائلات تونسية هاجرت في فترة ما بعد الحجر الصحي، خصوصاً من مناطق ساحلية يعمل أفرادها في مهنة الصيد. 
مؤخراً، شهدت منطقة الشابة في المهدية (شرق) هجرة عائلة مكونة من سبعة أشخاص إلى إيطاليا على متن قارب صيد، من بينهم طفلتان تعانيان من إعاقة حركية. نجاح العائلة في الوصول إلى برّ الأمان دفع عائلات أخرى إلى خوض التجربة على أمل الوصول إلى إيطاليا، إلا أن الحرس البحري التونس منع البعض من المغادرة، في وقت نجح آخرون في بلوغ مقصدهم.
وقبل أيام، تمكنت طوافة تابعة للحرس البحري من إحباط تسع محاولات هجرة سرية باتجاه السواحل الإيطالية في غضون 24 ساعة، وإيقاف 220 تونسياً من بينهم ثلاث عائلات وخمسة أطفال. وتقول راضية ج. (32 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال، أنها تحاول إقناع زوجها بالإقدام على الهجرة السرية، على أن تتضمن الرحلة ظروف سفر آمنة، علماً أن زوجها كان قد خاض تجربة هجرة سرية بمفرده.

إذا نجحنا في الهجرة، فسنحيا جمعياً. وإذا فشلنا، سنموت معاً


وتتحدّث راضية لـ "العربي الجديد" عن الصعوبات التي تعرضت لها إبان فترة الحجر الصحي بسبب توقفها عن العمل وبالتالي خسارتها مصدر رزقها، وهذا حال زوجها أيضاً. وتؤكد أن أنها تناقش زوجها بصفة مستمرة في موضوع الهجرة كعائلة، مؤكدة أن مغادرة البلاد بشكل أو بآخر هو الحلّ الوحيد لإنقاذ أطفالها الثلاثة وضمان مستقبلهم. 
ولا تخشى راضية عواقب رحلة الهجرة، مؤكدة أن المصير المشترك الذي ستلقاه العائلة يدفعها إلى خوض التجربة، مضيفة أن "المجهول" في وضعها الحالي يحاصرها من كل زاوية. "إذا نجحنا في الهجرة، فسنحيا جمعياً. وإذا فشلنا، سنموت معاً ولن يكون لدينا ما نخشاه". 
وتعاني تونس أصلاً من أزمة اقتصادية تفاقمت بعد تفشي كورونا، الأمر الذي يزيد من رغبة عائلات كثيرة في الهجرة سواء كانت شرعية أو سرية. وفي هذا الإطار، يتوقع أستاذ علم الاجتماع خالد الطبابي أن تزداد نسبة الهجرة. ويقول لـ "العربي الجديد" إن الهجرة السرية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي. وكانت العائلة الواحدة تدعم هجرة شخص أو شخصين من أفرادها من خلال توفير الدعم المالي واللوجستي لتسهيل الأمر. إلا أن التغيرات الاجتماعية والسياسية الحالية دفعت عائلات كثيرة للجوء إلى خيار الهجرة السرية. يضيف أن الهجرة السرية لم تعد تقتصر على المناطق الساحلية القريبة من الموانئ، بل إن كثيرين من القاطنين في الداخل يتخذون هذا الخيار مستفيدين من شبكات تساعد على تنظيم رحلات الهجرة السرية. 
ويتحدث الطبابي عن نقلة نوعية في علاقة التونسيين مع الهجرة، بدأ رصدها منذ عام 2011. وزاد دعم الأسر للهجرة، التي باتت جماعية أي أنها تشمل جميع أفرادها، وحتى المسنين. هؤلاء باتوا يفضلون المصير المشترك، سواء كان حياة أو موتاً. يضيف أن الظروف الاجتماعية الصعبة في البلاد وضعت العائلات أمام هذا الخيار، بالتوازي مع هجرة الأدمغة سنوياً إلى كندا وبعض الدول الأوروبية وغيرها.   

وفيما يتعلق بتأثيرات الهجرة على أصحابها، يقول الطبابي إن العائلات التونسية بمختلف طبقاتها، باتت تبحث عن أفق أرحب في أراض جديدة بعد تراجع الوضع المعيشي في البلاد، مؤكداً أن الآفاق التي يبحث عنها التونسيون المهاجرون لا تتعلق بالأسباب المادية فحسب، بل أيضاً بنمط العيش على حد قوله. 
في الوقت نفسه، فإن العائلات الداعمة لخيار الهجرة تخشى الندم، بحسب الطبابي، الذي أكد أن هذه الأسر تنتج الواقع ونقيضه؛ فهي التي تدعم مشاريع الهجرة وتمولها ثم تندم على خسارة أفرادها في حال فشلت الرحلة أو غرق المهاجرون .
وتساعد معرفة التونسيين بقوانين الهجرة السرية في تنامي هذه الظاهرة، إضافة إلى عمل إيطاليا في تسوية أوضاع المهاجرين على أراضيها. 

مهاجرون سريون (بو بارينو/ فرانس برس)
خلال عملية إنقاذ (بو بارينو/ فرانس برس)

وفي نهاية مايو/ أيار الماضي، أعلنت السلطات الإيطالية عن تسوية أوضاع الأجانب المقيمين على أراضيها بصفة غير شرعية. ويترقب آلاف التونسيين في إيطاليا الحصول على إقامات مؤقتة وعقود عمل وعدت بها إيطاليا بعد خروجها منهكة من جائحة كورونا.
إلى ذلك، يعزو المتحدّث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، ارتفاع نسبة هجرة العائلات التونسية مؤخراً إلى احتمائها بالقصّر وكبار السن والأشخاص المعوقين باعتبار أن قوانين الهجرة تمنع الدول التي تستقبل الواصلين إليها بوسائل غير شرعية من ترحيلهم. ويقول لـ "العربي الجديد" أن تنامي ظاهرة هجرة العائلات يرتبط بسوء الأوضاع الاجتماعية في البلاد. سابقاً، كانت العائلات تعمد إلى تعليم الأبناء كي يأخذوا على عاتقهم إعالتها لاحقاً، أو دفع أحد أبنائها إلى الهجرة. إلا أن تردي الوضع الاقتصادي والتوترات السياسية وغيرها من المشاكل هيأت الأرضية لتنامي ظاهرة الهجرة السرية، التي كانت حتى وقت قريب غريبة عن المجتمع التونسي.  

أعلنت إيطاليا تسوية أوضاع الأجانب المقيمين على أراضيها بصفة غير شرعية


وينتقد بن عمر عدم إيجاد الحكومة أية حلول للأوضاع الاجتماعية والمعيشية المتردية في البلاد، ما يضفي شرعية على رحلات الهجرة السرية على الرغم من خطورتها. أكثر من ذلك، ترتفع نسبة هجرة القصّر وكبار السن والأشخاص المعوقين. 
وأظهرت نتائج دراسة ميدانية أعدها المرصد الوطني للشباب أنّ الهجرة السرية من تونس نحو أوروبا ما زالت مستمرة ومرتفعة، وكشفت أن آلاف الأسر التونسية هي التي تشجّع أبناءها على الهجرة، على الرغم من حجم المخاطر والنتائج الكارثية التي خلفتها هذه الظاهرة بعدما تسببت في موت كثيرين.
وأشارت الدراسة إلى أن نحو 55 ألف أسرة في تونس شجعت أبناءها على الهجرة السرية، فيما أكّد 15 في المائة من الشباب المستطلعة آراؤهم رغبتهم في الهجرة السرية. ويعزو نحو 42 في المائة منهم أسباب ذلك إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة في البلاد، فيما قال 32 في المائة منهم إنّ انعدام فرص العمل يجعلهم يفكرون في الهجرة.

وبسبب كورونا، فقد أكثر من 270 ألف تونسي وظائفهم وسط توقعات بأن ترتفع نسبة الفقر في البلاد من 16 في المائة حالياً إلى أكثر من 20 في المائة مع نهاية العام.
وبحسب دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية الاجتماعية، فإن 27,5 في المائة من التونسيين يعيشون أوضاعاً هشة، ويصنفون في خانة الفقر. كما أن جائحة كورونا ستزيد من التفاوت الاجتماعي بين التونسيين على المدى القريب والمتوسط بسبب فقدان كثيرين وظائفهم، عدا عن نقص الموارد الحيوية وتدهور الظروف المعيشية. وكشفت الدراسة أن 3,22 ملايين تونسي يصنفون في حالة "الهشاشة أو الهشاشة الشديدة"، من بينهم 806 ألف شخص ينتمون إلى عائلات معوزة.
كما أظهر إحصاء لوزارة الشؤون الاجتماعية أن نحو 2,4 ملايين فقيراً من الفئات الهشة جرت مساعدتهم من خلال تدخلات حكومية.  
يشار إلى أنه على الرغم من إعلان إيطاليا بؤرة لتفشي الوباء في وقت سابق، وارتفاع عدد الوفيات والإصابات فيها، إلا أنّ هذا لم يؤثّر على المهاجرين السريين، ولم يردعهم من محاولة الهجرة إليها.
وخلال الربع الأول من عام 2019، نجح 253 شخصاً في الوصول إلى السواحل الإيطالية. وشهد معدل المهاجرين الواصلين إلى أوروبا من تونس خلال العام الماضي، انخفاضاً مقارنة بما سبقه، إذ تراجع إلى 3614 مهاجراً في عام 2019، مقارنة بـ 5744 في عام 2018.