هجرة إيجابية... ثلث اللاجئين يعملون في ألمانيا

02 أكتوبر 2018
الصورة
موظف سوري في محل حلويات في برلين(أود أندرسن/فرانس برس)
+ الخط -

بات اللاجئون، خصوصاً الأفغان والسوريين والعراقيين، في ألمانيا، قوة اقتصادية فعالة، تستفيد منها البلاد ويفيدون أنفسهم، ويخرسون الألسنة اليمينية التي تصفهم بالعبء الذي يستنزف موارد البلاد


بالرغم من الفوضى في طريقة تعاطي ألمانيا مع أزمة اللاجئين منذ عام 2015، ووصول مئات الآلاف منهم إلى أراضيها، بدأت آثار الهجرة الإيجابية تؤتي ثمارها على الشركات والمؤسسات الصناعية والتجارية، نتيجة دخول الآلاف من الوافدين الجدد إلى مجالات عمل عديدة. أبرز هذه المجالات هي التي تعاني من نقص هائل في العمال المهرة والحرفيين. وهو ما يعتبر مؤشراً جيداً من شأنه أن يشكل عامل دعم للمستشارة أنجيلا ميركل، تجاه خصومها السياسيين، إذ إنّ تعزيز قوة الاقتصاد الألماني يثبت لمنتقديها صحة سياستها تجاه أزمة اللجوء والهجرة، وقرارها الجريء الذي كلفها وحزبها فاتورة باهظة في الانتخابات البرلمانية العامة العام الماضي، وسمح بوصول الحزب اليميني الشعبوي "البديل من أجل ألمانيا" إلى البوندستاغ (البرلمان).




هذا الواقع تبرزه أرقام الوكالة الاتحادية الألمانية التي تفيد بأنّ 300 ألف لاجئ دخلوا إلى سوق العمل هذا العام، أي بزيادة 88 ألف شخص عن العام الماضي. التطور الإيجابي في هذا المجال انعكس ارتياحاً داخل روابط اتحادات الصناعة وغرف التجارة والصناعة في البلاد، مع اقتناعها التام بأهمية اليد العاملة المهاجرة، بالتوازي مع ما تقدمه البلاد للاجئين من فرص تدريب في جميع المجالات وبمختلف المستويات للانخراط الجدي، وبالتالي تعويض ورفع مستوى الإنتاج والقدرة التنافسية، خصوصاً أنّ جودة البضائع الألمانية تبقى محل اهتمام على مستوى العالم.

مقابلة عمل تمهيدية للاجئ أفغاني (شون غالوب/ getty) 













سد النقص

تبرز لوائح وكالة التوظيف الاتحادية، التي تصدر دورياً، النقص في مجالات عدة، أغلبها من الحرف والمهن اليدوية، التي يطلق عليها خبراء الاقتصاد والاجتماع في ألمانيا تسمية "المهن غير الشعبية" لأسباب شتى، من بينها عدم الرغبة بالانخراط في هذا النوع من العمل، لأنّ كلفة التدريب عادة ما تكون عالية، بالإضافة إلى ظروف العمل السيئة مقابل الأجر الزهيد مقارنة مع غيرها من وظائف المكاتب. عادة ما يكون المواطن غير مستعد لدفع مبالغ كبيرة للحصول على خدمات المهنيين، وهذا ما يقلل من الأجر والجودة.

في المقابل، هناك وجهة نظر تعتبر أنّ عامل الخبرة مع الشهادة أساسي لتحقيق طموحات مستقبلية والعمل لحسابه الخاص، وبالتالي تحقيق المال الوفير، وهذا ما يطمح إليه اللاجئ، علماً أنّ رابطة الصناعات الألمانية الاتحادية، في بيان صادر عنها، خلال شهر سبتمبر الجاري، ذكرت أنّها تكافح من أجل الحصول على العمال المهرة. وتقدّر الرابطة عدد الوظائف الشاغرة بنحو 150 ألف وظيفة، والسبب انخفاض أعداد خريجي التعليم المهني، مع الميل المتعاظم إلى الدراسة الجامعية.

هذه التصريحات، دفعت بخبراء في التوجيه العلمي، إلى تنبيه المسؤولين، ومن خلفهم الناخبون، أنّ عجلة الإنتاج قوامها التعليم المهني، وأنّ أصحاب الكفاءات من اللاجئين مطلب ملحّ لألمانيا، وأنّ التقديمات والمخصصات والامتيازات التي ينالها الألماني هي من أموال الضرائب التي يدفعها الموظفون والعمال، ومن بينهم أكثر من 18 مليون شخص من أصول أجنبية، ومن بين هؤلاء لاجئون. وما يعزز وجهة النظر هذه، الحديث الأخير لرئيس البوندستاغ، وزير المالية السابق فولفغانغ شويبله، أحد مهندسي سياسة التقشف اليونانية التي سمحت لأثينا بالخروج أخيراً من كبوتها الاقتصادية، إذ قال لصحيفة "دي فيلت" إنّ "قرار المستشارة في عام 2015 كان صحيحاً، والمطلوب الحدّ من الجدل حول اللاجئين، لأنّ الأمر يحتاج إلى مزيد من الواقعية، وعلينا جميعاً أن نحشد قوتنا لدمجهم في مجتمعنا".



اللغة
لعبت دورات اللغة التي خصصت للاجئين، خصوصاً الشباب، دوراً مهماً في تسريع عملية اندماجهم ودخولهم إلى سوق العمل، حتى إنّ عدداً كبيراً منهم ممن يعملون بدوام جزئي خلال دراسة اللغة، يتحضرون لمعادلة شهاداتهم المهنية لتحسين أجر الساعة التي ينالونها. كذلك، يخضع آخرون لدورات تدريبية للكشف عن كفاءاتهم المهنية، وكيفية مواكبة ظروف العمل في مهنهم طبقاً للقوانين الألمانية، ومنها ما يتعلق بالسلامة العامة والاستراتيجيات المعتمدة. على سبيل المثال، فإنّ الفني الكهربائي أو مبرمج الكمبيوتر أو الميكانيكي أو الدهان أو البنّاء أو المزارع، يبدي ارتياحه للخطوات التي سلكها، ويندفع لإبراز حضوره في مجاله.

في المقابل، يتحدث خريجون لاجئون عن صعوبات، نظراً للبيروقراطية المتبعة في ألمانيا، في إنجاز ملفاتهم للاعتراف بشهاداتهم، والتي تتطلب منهم في أحيان كثيرة إعادة دراسة بعض المواد قبل التعديل، بالإضافة إلى معاناة تعلّم اللغة الألمانية، وهو ما يشكل مصدر إرهاق وإحباط، خصوصاً بالنسبة لحملة الإجازات من الكليات النظرية أو من أصحاب المهن الحرة كالأطباء والمهندسين والصيادلة والممرضين والمعلمين، لأنّ المسألة تتطلب تعلم مصطلحات تفرضها طبيعة العمل أو الوظيفة التي سيؤدونها مستقبلاً في سوق العمل الألماني.

من جهتهم، يعتبر خبراء في علم الاقتصاد والاجتماع، أنّ ألمانيا بلد هجرة، وعدد الولادات فيها كان في انخفاض مستمر، والمطلوب أن توفر للاجئين الإمكانات اللازمة لإثبات قدراتهم، خصوصاً أنّ من بينهم الآلاف من جيل الشباب، ومن حملة الإجازات الجامعية والمهنية والتقنية، فيما تشكل اللغة والخبرة الحاجز الأهم بالنسبة إليهم، وهو ما يتطلب وقتاً قد يكون طويلاً في بعض الأحيان وفقاً لجهدهم الشخصي، لإبراز مهاراتهم.

تثبت الأرقام أنّ أعداد اللاجئين الذين تلقّوا التدريب، ارتفعت هذا العام إلى 31 ألف لاجئ، يأتي في مقدمتهم الأفغان ثم السوريون يليهم العراقيون. وهو ما يمثل رداً على كلّ المضللين والمشككين في اندفاع الوافدين الجدد من اللاجئين. ويناشد الخبراء جميع المتكاسلين والمخالفين ومرتكبي العنف، وهم قلة من اللاجئين، أن يعوا أهمية ما تقدمه لهم ألمانيا، وعدم المس بسمعة مواطنيهم، والكف عن تلك الأفعال، لأنّ ألمانيا بلد قانون ولا مكان لهؤلاء في نسيج هذا المجتمع.

دروس اللغة الألمانية أساسية للاندماج (شون غالوب/ getty) 












ردّ على اليمين

يوضح ناشطون اجتماعيون لمنتقدي ورافضي سياسة اللجوء، ممن ما زالوا يصوبون على اللاجئين ويتهمونهم بالاستيلاء على أموالهم، أنّ هذا مخالف في جزء كبير منه للواقع، فالأكيد أنّ البلاد في حاجة إلى الحرف اليدوية والمهنيين من الخباز والنجار وعامل الميكانيك وفنيي الكهرباء والتدفئة والتبريد وعامل الحدائق والخدمات اللوجستية ونادل المطعم وموزع البريد وموظف مراكز الرعاية، من أجل تأمين حاجيات ومستلزمات المواطنين وهم فئة منهم. وهنا، يلفت هؤلاء إلى أهمية المقارنة بين التعاطي الحالي مع الوافدين الجدد من اللاجئين، والتعاطي معهم في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، فإهمال تلك الجماعات في حينه، ارتد سلباً على ألمانيا، والأكثرية ما زالت تشكل عبئاً عليها، بعدما لم يلقَ هؤلاء الدعم اللازم والتدريب الملائم، وهو ما يجعلهم عنصراً أساسياً في العاطلين من العمل حالياً.

تبقى الإشارة إلى أنّ ألمانيا - وأوروبا عموماً- تواجه تحديات كبيرة بفعل التغير الديموغرافي، وتسعى للحفاظ على قدرتها التنافسية على المستوى العالمي، في ظلّ النقص في المهارات والصراعات التجارية وهروب المستثمرين. وهو ما يتطلب إرادة سياسية للحلول المستدامة، بالنظر إلى التطورات السياسية العالمية الحالية والتحديات الاقتصادية، فالمطلوب نهج أوروبي مشترك، وأن تكون ألمانيا اللاعب الرئيس فيه بصفتها صاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا، بل قاطرتها التجارية إلى العالم.




في خضم ذلك، انتعشت مع وصول اللاجئين مناطق وبلدات عديدة في الأرياف، إذ عادت الحياة لتدب فيها من جديد، ما يساهم بطريقة أو بأخرى في الدورة الاقتصادية. لكن، من ضمن النتائج السلبية التي يلقي المنتقدون عليها الضوء أزمة السكن التي تعاني منها ألمانيا حالياً، ومن أسبابها الطلب على الشقق من اللاجئين، الذين استقروا مع حصولهم على حق اللجوء. مع ذلك، فإن وجودهم زاد من وتيرة عمليات التطوير العقاري وبناء العديد من المساكن الجديدة، عدا عن ترميم أخرى كانت مهجورة لسنوات، واستفادت مهن ومصالح أخرى مرتبطة بهذا القطاع، ناهيك عن مبيعات وأرباح محلات مبيعات التجزئة.

المساهمون