ماكفارلين عن هارفي وينستين: لم يولد وحشًا لكن سلطة المال شوّهته

07 أكتوبر 2019
الصورة
هارفي وينستين: 5 دقائق فقط (فيسبوك)
مشاركة "هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)" في إنتاج "مُحَصّن" (2019)، للبريطانية أورسولا ماكفارلين، المُشارك في الدورة الثالثة (19 ـ 27 سبتمبر/ أيلول 2019) لـ"مهرجان الجونة السينمائي"، وتثبيت شعارها (لوغو) لثوانٍ أطول بقليل من الجهات المنتجة (لايت بوكس) في مقدّمته، له دلالة خاصة في وثائقيّ ذي طابع آنيّ، يتناول جوانب من شخصية المنتج السينمائي الأميركي هارفي وينستين وسلوكه، اللذين غطّت صورتهما واجهات وسائل الإعلام، منذ إثارة موضوع تحرّشه الجنسي بممثلات وعاملات معه، ما أدّى إلى ظهور حركة "مي تو" الشعبية. 

الرصانة المهنيّة لـ"الهيئة"، خصوصًا اشتغالاتها على مواضيع آنيّة، تحمي ـ إلى حدّ بعيد ـ مُنتجها السينمائي من انحياز فاضح، وإنْ تُلبسه غالبًا لباس الاشتغال التلفزيوني. هذا مُلاحَظ في وثائقيّ ماكفارلين، التي أنجزت سابقًا وثائقيات تلفزيونية وسينمائية طويلة، منها: "عطلة نهاية أسبوع قاتلة في أميركا" (2017).

في موضوعٍ إشكاليّ، كالتحرّش الجنسي، يغدو العمل على المفاهيم والمحركات وتحليل السلوك أهمّ من تثبيت "موقف"، كي يُتاح للمتفرّج فهم المادة المطروحة للبحث البصري، والتفاعل معها. لذا، لا بدّ من تقديمها بأكبر قدر من الموضوعية. هذا وحده يمنح العمل الوثائقي جديًة واتزانًا وصدقيًة، من دونها يغدو العمل دعائيًا متحاملاً.

بعد وقتٍ على تغطية "بي بي سي" مجريات الحرب الأميركية على العراق، تساءل قوميّون متحمّسون لمشاركة حكومتهم البريطانية الولايات المتحدة هجومها: هل "الهيئة" مع العراق، أم معنا؟ الارتباك نفسه يكاد ينسحب على "مُحَصّن": أهو مع "الغول" المُستغِّل مكانته وسطوته المالية، أو مع "الضحايا" المُنتَهَكة أجسادهنّ وكرامتهنّ؟ إثارة الحيرة يراد بها تعطيل عمل الحكم المسبق. في حالة وينستين، لا إجماع على موقف من سلوكه. السبب كامنٌ في الحقل الذي يشتغل فيه، والذي كرّس نظرة إلى الممثلات، مفادها أنّهن "مادة" طيِّعة وقابلة للترويض والإخضاع الجنسي. رسّخ ذكور السينما قاعدة تقول: "تبادل المنافع"، وهذا جزءٌ من اللعبة الهوليوودية. في ذلك المحيط، يُمنح الجسد الأنثوي بسهولة، مقابل الحصول على فرص ترفع مانحة اللَّذة السريعة إلى مصاف النجوم. هذا ما كان وينستين مقتنعًا به.

في دفاعه عن نفسه إزاء التّهم الموجهة إليه، بدا مقتنعًا للغاية من "عاديّة" ممارساته، فهو لا يرى في إجباره النساء على ممارسة الجنس معه، أو في محاولته فعل هذا، ما يتعارض مع القاعدة العامة، أو يخرج على سياق سلوكٍ سويّ.



إلى هذه النقطة، أراد "محصّن" أن يصل أولاً. فبعد تحليل الأبعاد، يمكن سحب الحكم على سلوك رجال السينما إلى مساحة أكبر خارجها، أي إلى المجتمعات والحقول كلّها. هنا تكمن أيضًا معنى العناية بالشخصية، بأبعادها وتشكُلاتها النفسية، حين يراد إسقاطها على بقية تشبهها.
شخصية هارفي وينستين عادية. لم يُولَد مسخًا ولا وحشًا كاسرًا. عاش طفولة طبيعية. لم يُعانِ عقدة اليهودي، بل على عكس ذلك، تمتّع مع أخيه بوب بحياةٍ، لا تقلّبات حادة فيها ولا تمزّقات. المقاطع الأرشيفية المُرتّبة مونتاجيًا (أندي أر. وربويز) ترسم بورتريه قصيرًا له، يُظهر ذكاءه وطموحه غير المحدودين، وإلى حدّ كبير موهبته في تشخيص المميَّز في السينما، والرهان عليه. تركُه مهنة تسويق الحفلات الموسيقية، وتأسيسه شركة إنتاج وتوزيع خاصة مع بوب، يشيان بإقدامٍ وجسارة ورغبة في التوسّع. رغبته في كسب مزيد من المال هدف، في جزء منه، إلى تغطية بعض عيوبه الجسدية: "يهودي سمين وجسد ضخم"، كما يبوح هو نفسه عن نفسه. وما حُبّ التظاهر والخروج دائمًا بصحبة جميلات إلا تعبيرًا نفسيًا داخليًا عن هذه التغطية.

جُبِل هارفي على حُبّ العمل، وحقّق في فترة وجيزة نجاحات، وضعت اسمه بين كبار الشخصيات الأميركية. سينمائيًا، ترك بصمة لا يُمكن إغفالها في "السينما المستقلّة"، وأصبح من كبار عرّابيها. فهو أنتج ورَوّج لـ"سينما باراديزو" (1988) لجوزيبي تورناتوري، و"جنس، أكاذيب وشريط فيديو" (1989) لستيفن سودربيرغ، و"قدمي اليُسرى" (1998) لجيم شيريدان، مثلاً. وهو مكتشف مواهب سينمائية، كغوينيث بالترو. قساوته وعجرفته ظهرتا مع صعوده المدوّي، فهو لم يعد كائنًا سويًا. شوّهت الشهرة والمال روحه، فأصبح "غولا" لا يعرف الرحمة. سلوكه، حتى في أضعف حالاته، يُظهر تشبثًا شرهًا بسلطة المال. ظنّ أنّه يمكنه شراء العالم كلّه به. لم يخطر بباله أن مقالات صحافية قليلة ستهوي به إلى القاع، وتقدّمه إلى الناس ـ الذين ظنّ أنه كسبهم بالمطلق ـ مغتصبًا لأجساد نساء وحقوق.

هذا بعض ما يقدّمه الوثائقي، مكمّلاً إياه بشهادات تعمّق صورته كوحش لا يختلف عن بقية وحوش آدمية، أعمتها الشهرة وكثرة المال.



شهادات المُتحرَّش بهنّ أمام الكاميرا (الممثلات روزانا آركيت وباز دي لا ويرتا وإريكا روزنباوم، مع إشارات سريعة إلى أنجيلنا جولي وغوينيث بالترو) تظهر ندبًا تركها فعل الانتهاك الجسدي على أرواحهنّ، لم يمحُ الزمن آثارها. وفي اللحظة التي تحرّرن فيها من خوفهنّ الداخلي، عبّرن عن أحاسيس شديدة بالضعف والقهر خالجتهنّ، وظلّت قابعة في أعماقهنّ زمنًا طويلاً. في شهادة الكندية روزنباوم ما يعزّز براءة وعفوية. جاءت من كيبيك إلى أميركا بلا مال، مع حقيبة بسيطة، مشبعةً بحلم الفوز بفرصٍ، تجعلها ممثلة كبقية الممثلات التي قرأت عن صعودهنّ وارتقائهنّ سلّم الشهرة والمجد من الصفر. يوم التقت وينستين للمرّة الأولى عام 1978، وجدته رجلاً لطيفًا، عرض عليها العمل مع شركة "ميراماكس"، التي يفكّر في إنشائها. بعد ساعات، وجدت نفسها أمام كائن آخر، خدعها للوصول إلى غرفته في الفندق. طرح عليها مقايضة جسدها بالحصول على دور مهم في فيلم جديد يُنتجه بنفسه. رفضها عرضه قابله باستغراب، وبعبارة قالها، وتكرّر صداها في شهادات أخرى: "هل حقًا تريدين كسب عداوتي، مقابل رفض منحي خمس دقائق فقط؟". خمس دقائق كافية، بالنسبة إليه، لإشباع رغبة لا يشعر أن مانحتها ستخسر شيئًا بمنحه إياها. ستنتظر روزنباوم قرابة عشرين عامًا للبوح بتفاصيل ما شعرت به وقتها، وبخيبة أملها في عالم جاءت إليه حالمة.

شهادات الضحايا تحمل في طياتها تناقضًا والتباسًا، إذا ما نُظر إليها من زاوية المتوافقين مع القواعد الهوليوودية، لكنها تعكس، عند آخرين حيفًا واستلابًا لأجساد النساء، واستغلالاً لحاجتهنّ إلى العمل في حقل، يجدن ذواتهن المبدعة فيه. هذا يظهر في غالبية الشهادات، وأيضًا مع متواطئين مع الجاني. فصمت الضحية، مهما كانت دوافعها (التي تأتي غالبًا من الخوف)، لا يعني مشاركتها في الجريمة المرتكبة بحقها، على عكس سكوت المنتفعين من سلطة "الغول"، المقترب من المشاركة غير المباشرة بالتحرّش والاغتصاب، وهذا أجدر بمعاينته وتحليله. ذلك ما تُجليه شهادات مستخدَمين في شركته. فعبر هؤلاء، يمكن تقريب مفهوم السلطة والسطوة في مجالات عديدة، وتفسير ظاهرة "مي تو"، التي يُختم الوثائقيّ بمشاهد تُجلي اتساع رقعتها، وعدد المؤيدين لها. حركة تُدين التحرّش والاغتصاب، وتريد فضح مزيد من مرتكبيها في السياسة والمال، الأكبر من السينما.