هادلي غامبل .. درس لمن؟

هادلي غامبل .. درس لمن؟

26 يناير 2020
الصورة

هادلي غامبل تسأل جبران باسيل في منتدى دافوس (يوتيوب)

+ الخط -
شكّلت المناظرة التي خاضها الوزير السابق للخارجية اللبنانية، جبران باسيل، مع الصحافية هادلي غامبل، في إحدى ندوات منتدى دافوس العالمي أخيرا محور تعليقاتٍ عديدةٍ مالت، في غالبيتها، إلى التركيز على الجانب الفكاهي في إحراج الوزير، والذي برعت الإعلامية الأميركية في إنتاجه. وقد حازت هذه السيدة على مديح غالبية الممتعضين من فساد السياسيين اللبنانيين الأسطوري، كما اعتبر كثيرون أن حصتها الإعلامية يجب أن تعتبر درساً لمختلف الإعلاميين العرب، المستقطبين أو المفسدين أو الخائفين، فماذا أتت به السيدة غامبل مما يتجاوز ما اعتاد عليه المشاهدون العرب، ومن في حكمهم، من أداء؟
بعيداً عن الطرافة التي تم اللجوء إليها للتعقيب على هذا المشهد، كان جلياً أن الصحافية، بالاعتماد على فريق إعداد مهني، قد حضّرت للحوار جيدا، وأضافت إلى معلوماتها الغنية أساساً حول سبل إدارة (أو سوء إدارة) دول المنطقة العربية، بعض المعلومات التفصيلية عن الوضع القائم حالياً في لبنان. وقد تركّزت أسئلتها على مسائل الديمقراطية والفساد وسوء الحوكمة. كما أنها لم تكتف بأجوبةٍ اعتمدت أسلوب الهروب واللزوجة الخطابية، بل أصرّت على أن يجيبها محاورُها بصورةٍ تحترم العقل البشري، لأنها ذكّرته، ولو بالنظرات، بأنه لا يتوجه إلى جمهوره المطيع المكتسب، وهو محدود في أقصى تقدير بعدد من ينتمون إلى الحزب الذي يرأسه، بل إلى متابعين أذكياء يبحثون عن الحقيقة، وعن احترام عقولهم. وقد ساعدها في ذلك وجود وزيرةٍ هولنديةٍ سابقةٍ تعرف العالم العربي عن قرب، أفاضت في التعليق بشأن مسألة الفساد المؤسسي القائم حول سلطاتٍ سياسيةٍ، تهيمن على طاقات العرب وثرواتهم منذ عقود.
إحراج شديد بدا واضحا على محيا الوزير السابق، وصار الأداء القلق الذي تميّز به حديث 
الساعة. وقد تساءل بعضهم، عن حق ربما، عن سر الإعجاب الشديد بأداء الإعلامية الأميركية الذي اعتبروه بعيداً عن الاستثنائية. ومن دون الخوض في تفاصيل اللقاء، وفي حمولات الأسئلة، وفي فراغات الأجوبة، يمكن التوقف مهنياً أمام أداء السيدة غامبل، خصوصاً في مرحلةٍ عربيةٍ تشهد انحداراً مهنياً في الإعلام.
في ثمانينيات القرن الماضي، استضافت نشرة الثامنة في القناة الحكومية التلفزية الفرنسية رئيس الوزراء حينها، ريمون بار. وانحصر الحديث، في المقابلة التي شاهدها عشرات الملايين من الفرنسيين، حول حديث واحد فقط: استخدام رئيس الوزراء دراجات الشرطة النارية لفتح طريق لسيارته في أثناء عودته من عطلة نهاية الأسبوع. وقد حاول بار، وهو من أقوى الشخصيات السياسية الفرنسية في القرن العشرين، أن يبرّرالموضوع بالتركيز على استدعاء رئيس الجمهورية له، وضرورة وصوله إلى قصر الإليزيه سريعاً. انتهت المقابلة بقول المذيع: "سيدي، رئيس الوزراء، إجاباتك غير مقنعة لي، وبالتالي المتابعون لن يقتنعوا، وقد انتهى الوقت المخصص لك للحديث إليهم، فشكرا وإلى اللقاء". 
ليس من المطلوب من الصحافي أن يكون وقحاً بشكل مجاني، بل المطلوب منه، وهو في حضرة المسؤولين الكبار، ألا يسمح باستخدامه، كما يفعل كثيرون من نجوم الإعلام العربي، مطية خاضعة وهلامية للمسؤول الذي أمامه، خصوصاً عندما يدّعي هو أو تدّعي وسيلته الإعلامية المهنية. كما من المطلوب منه، في الحدود الدنيا، أن يقرأ بضعة أسطر عمّن يقابله لتحضير الأسئلة والاستفاضات اللازمة، بعيداً عن المداهنة والممالقة. وفي العالم العربي يُعتبر هذا الأداء ترفاً لا يمكن الوصول إليه في ظل الأنظمة القمعية والاستبداد المهيمن واستخدام الإعلام أبواقا دعائيةً لا لون لها ولا طعم. في المقابل، تدّعي وسائل إعلام عربية عديدة خروجها عن سلطة الاستبداد، وتمتعها بهامش حرية نسبية، ومع ذلك تبقى ثقافة المهادنة والنفاق سائدةً في أغلب الأداء.
وحتى عندما يتمتع إعلامي بفرصة التحرّر من هيمنة رجل الأمن، أو رجل السلطة، وخصوصاً عندما يعمل في وسيلة إعلامية أجنبية تبث باللغة العربية، فإن ما تعلمه من الخوف والحذر 
يطغيان على أدائه. وقد كانت مقابلة رئيس تحرير من محطة فرنسا 24 الناطقة بالعربية للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، قبل سنوات، درساً في الخضوع والمحاباة وفقدان المهنية.
يحتفل اللبنانيون خصوصاً، والعرب عموماً، بأداء المذيعة الأميركية هادلي غامبل، معتبرين أنها أخذت بثأرهم، ليس من المسؤولين الفاسدين والمستبدّين والمعتادين على الأسئلة المريحة فحسب، بل من أسلوب إعلامييهم المغلوب على أمرهم أحياناً أو المنافقين في أحيان أخرى. وعلى الرغم من تمتّع لبنان وإعلامه تقليدياً بهوامش نسبية من حرية التعبير، إلا أن الاستقطابات الطائفية، كما المنافع الاقتصادية الضيقة، قد أحالت إعلاميين كثيرين إلى مجرد أدواتٍ لنقل أخبار أصحاب الأمر وتحليلاتهم ومواقفهم، حسب التقسيمات والمنافع. وسيستمر الحديث عن المقابلة الدافوسية، كما ستتوسع ردود الفعل، لتستقطب اهتمام المراقبين الأجانب في المجال الإعلامي. ومؤكّد أن تلاميذ في كليات الإعلام الغربي سيستخدمون شريط المقابلة مادة بحثية تستحق التحليل والتفكيك، سعياً إلى محاولة فهم المجتمعات المعنية من خلال معرفة تعامل المتلقي مع المنتج الإعلامي.