هاجر الريسوني.. مشكلة قانون أم أزمة نظام

11 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
أصدرت محكمة ابتدائية في المغرب حكمها القاضي بإدانة الصحافية هاجر الريسوني، من يومية أخبار اليوم المستقلة، بسنة حبس نافذة وغرامة مالية، بعد متابعتها بتهم "الإجهاض غير القانوني" و"ممارسة الجنس خارج إطار الزواج"، وهو ما يندرج تحت قائمة جرائم الفساد في القانون الجنائي المغربي. في قضية قيل عنها وحولها الكثير، منذ اليوم الأول لاعتقال الصحافية وخطيبها السوداني، بعد مغادرتهما عيادة الطبيب، حيث تلقت العلاج.
فضحت واقعة الاعتقال، وما رافقها من خروق وتجاوزات وانتهاكات، نفاق طيف واسع من النخب الحداثية في المغرب وقطاع عريض من المجتمع المدني النسوي التقدّمي الذي تعامل مع هذه القضية بانتقائية، لا تمت بصلة للقيم والشعارات التي يدافع عنها، فالمواقف والبيانات دُبجت بعبارات منتقاة بعناية، خوفا من إزعاج السلطة، وحتى الخوض في تفاصيلها كان بمقدار، وفي حدود المعارك الهامشية التي غالبا ما ترعاها أجنحةٌ محسوبةٌ على السلطوية.
ظهرت على هامش القضية عريضة "خارج عن القانون"، أطلقتها الكاتبة المغربية الفرنسية ليلى سليماني والمخرجة صونيا التراب، ووقع عليها مثقفون وحقوقيون وفنانون وإعلاميون وشخصيات من مختلف المجالات، تدعو إلى احترام الحياة الخاصة، ومنح الأفراد حق التصرف في أجسادهم؛ ما يعني ضمنيا إسقاط الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، والذي يعاقب بالسجن عن العلاقات خارج إطار مؤسسة الزواج.
على الرغم من اقتناع محسوبين على التيار التقدمي والحداثي، من الناحية المبدئية، بجوهر ما 
تطالب به العريضة، إلا أنهم أحجموا عن التوقيع عليها، لما تثيره من شكوك وأسئلة لدى المرء. سواء في ما يتعلق بالوجوه التي ادّعت تحرير العريضة، ممن لم يسبق أن سُمع لهم رأي، ولا عبّروا عن موقف، في قضايا عديدة ذات الصلة بالحرية (معتقلي حراك الريف، اعتقال الصحافيين...). ولا في ما يخص مضمون العريضة الذي يقف عند "ويلٍ للمصلين"، فالظاهر أنه كُتب بعناية فائقة، احترمت فيها مسافة الأمان عن الخطوط الحمر التي رسمتها السلطة؛ فأساس المشكل هو القوانين البالية التي يتحمّل المجتمع وحده مسؤولية بقائها، واستمرارية العمل بمقتضياتها. وحتى في تسمية المبادرة ذاتها، حيث تنكشف أصول نشأتها الفرنسية، فبدلا من عبارة "خارجة عن القانون" الأصح والأسلم من الناحية اللغوية، وضعت عبارة "خارجة على القانون".
انخرط الروائي المغربي الفرنسي، الطاهر بنجلون، في هذه المعركة، من موقعه مثقفا يرغب في المساهمة في صناعة التغيير في بلده الأصلي، فكتب مقالا يتهم فيه من سمّاهم "الرقباء" بالنفاق والخسة والوصاية والبؤس... في حق من يرى أنهم السبب وراء "إيقاف" مسيرة الحداثة في المغرب. فالمسؤولية عما يجري في البلد تقع على عاتق القوى المحافظة التي خاطبها بقوله: "أنتم أيها الظلاميون؛ إنكم تضعون مغرب الحداثة والتسامح رهينة. أنتم ليس لكم أي حق في أن تتدخلوا في الحياة الخاصة لرجال ونساء راشدين ومتوافقين. فلتُفتح الأعين والضمائر على الواقع، المركّب والمتنوع والحي لبلد يتوق إلى الحرية، وإلى بروز وانبثاق الفرد؛ هذا الكائن الفريد والمفرد؛ أي: المسؤول".
وزع أصحاب المبادرة والمثقف المسؤولية بين "المجتمع" و"الظلاميين"، فأساس مشكلات البلد هو ترسانة القوانين البالية التي ينبغي التحرّك سريعا من أجل تغييرها، فرجال الأمن؛ في نظر هؤلاء الحداثيين، وهم يعتقلون هذه الصحافية وسط الشارع، لم يقوموا سوى بتنفيذ القوانين الرجعية التي تحكم هذه الدولة، وتتشبث بها فئات عريضة من المجتمع، في مقدمتها الإسلاميون الذين أسندت لهم مهمة قيادة التحالف الحكومي.
تنقلب المعادلة إذاً، فيصبح الاعتقال التعسفي والتشهير في وسائل الإعلام العمومي وانتهاك 
الحقوق الذي تعرّضت له هاجر الريسوني ومن معها اعتقالا عاديا ومقبولا. يأتي في سياق معركة رفع التجريم عن الإجهاض الذي نفت الصحافية وطبيبها وقوعه، في تصريحاتهما أمام الضابطة القضائية، وهو ما عزّزته نتائج التقرير الطبي الذي أنجزته النيابة العامة. هكذا ينجح "مناضلو باريس" في التغطية على الاعتقال التعسفي؛ عندما لم يأتوا على ذكره إطلاقا، بمناقشة مسألة الإجهاض والدعوة إلى تعديل القانون، قصد توسيع مجال الحريات الفردية. وكأنهم يقولون إن مظلومية هاجر ليست في معاقبتها على تهم لم تثبت في حقها، وإنما تعاقب لأنها تصرّفت في جسدها بحرية.
أصل العطب الذي لا يجرؤ حداثيو الصالونات على الحديث عنه في السلطة، قبل أن يكون في النصوص القانونية التي تظل، مهما كانت متقدّمة وكونية، خاضعة للانتقائية في التطبيق والتكييف، حتى تتوافق مع رغبات السلطة. فمن بين ستمائة عملية إجهاض يشهدها المغرب يوميا، وفق بعض التقديرات، لم تجد السلطة غير هاجر الريسوني كي تطبق عليها القانون، هذا إذا ما سلمنا فعلا بوقوع "الإجهاض المزعوم"؟
لا يعني هذا أن هذه الصحافية، ولا غيرها، فوق القانون، ولكن المسألة محط شك وريبة، مع توالي بيانات النيابة العامة عن أن ما جرى نتيجة "المصادفة"، ولا دخل للمهنة ولا للأصل العائلي في القضية. ولكن هذا الزعم تكذبه وقائع وحيثيات الاعتقال والتحقيق والمتابعة، ويكذبه الانتماء الصحافي لهاجر، فهي صحافية في يومية يقضي مؤسسها توفيق بوعشرين، عقوبة سجنية مدتها 12 سنة نافذة، بتهم الاتجار في البشر واستغلال السلطة والنفوذ لغرض الاستغلال الجنسي. ويكذبها انتماؤها لأسرة الريسوني؛ فعمها أحمد الريسوني قيادي في حركة التوحيد والإصلاح الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعمها سليمان الريسوني، يساري ديمقراطي أزعجت مقالاته الصحافية الدوائر العليا للحكم في البلد.
يتجاهل حداثيو باريس كل هذه العناصر التي لا تعدو أن تكون مجرد مصادفة، كما جاء على لسان النيابة العامة التي دانت الصحافية قبل محاكمتها، للتأكيد على أن مغرب العهد الجديد أجمل بلد، لا تنقصه سوى حريات أسفل البطن، لتنقضي كل المشكلات التي تقف حجر عثرة أمام الحداثة والتنمية والتقدم في البلد. وعليه بات لزاما على الجميع الانخراط في معركة تغيير هذه القوانين، لكن هؤلاء يتناسون أن هاجر وأمثالها ليسوا ضحايا قوانين متخلفة، بقدر ما هم ضحايا تعسّف لا يحترم تطبيق القوانين.