نيغزيا... إيرانية تمشي على ماء السين

05 يوليو 2019
الصورة
تمشي في باريس وكأنها دوماً على منصة العرض (فيسبوك)
ضجت وسائل الإعلام الفرنسيّة بخبر حصول نيغزيا - Negzzia، عارضة الأزياء ونجمة "إنستغرام" الإيرانيّة، على حق اللجوء في فرنسا، وامتلأت الصفحة الخاصة بالعارضة ذات الـ 29 عاماً بالتهانيّ، ليحتفل ما يزيد عن 121 ألف متابع بـ"إنجازها"، علماً أنها تستخدم اسماً وهمياً، خوفاً على حياة أهلها في إيران، حيث كانت تعرض الأزياء "بحذر"، حسب قولها، من دون حجاب لكن من دون عريّ.

بدأت حكاية نيغزيا عام 2017، حين أصبحت مطلوبة من السلطات في طهران، لأنها شاركت في مجموعة صور للثياب الداخلية التي أدينت بأنها لا أخلاقيّة، لتترك طهران متجهة إلى تركيا بعد أن عرفت أن مصيرها سيكون السجن والجلد. في إسطنبول، عملت أيضاً عارضة في بعض المجلات، وتأكدت حينها أنها لن تستطيع العودة إلى بلادها. مع ذلك، كان حلمها أبعد، أرادت أن تصل إلى باريس، وتعمل عارضة أزياء.

حين وصلت نيغزيا إلى باريس قرّرت نشر صور عاريّة، متحديّةً السُلطة الإيرانية التي بدأت منذ عام 2015 باعتقال عارضات الأزياء والمصورين الذين ينشرون صورهم على الإنترنت، متهمة إياهم بالانحلال الأخلاقيّ والترويج للقيم والشكل الغربيين، ليزجّوا في السجن لمدة تتراوح بين سنة وست سنوات.


لكن ما الذي حصل؟ كيف أصبحت نيغزيا شهيرة؟ تقول وسائل الإعلام الفرنسيّة إن الصور العارية والفيديوهات التي نشرتها لنفسها وهي نائمة في الشارع، وفي كراج السيارات، نالت ضجة على "إنستغرام"، ما جعل بعض الصحف المحلية تتداول قصتها، إلا أنها اشتُهرت فجأة إثر تغريدة لوزير الداخلية الفرنسيّ كريستوف كاستنير، يقول فيها "سيعرض عليها اللجوء بشكل طبيعي، تواصل معي مكتب الهجرة وأكدا لي ذلك، هم يتواصلون معها، وملفها يتم فحصه بدقة بسبب خصوصيّة وضعها"، هذا ما جعلها موضع شكٍ، لا بمعنى أنها ليست في خطر، بل بسبب الاهتمام المفاجئ بها، إذ تقول إنها لا تستطيع العمل كونها انتظرت سبعة أشهر قبل الحصول على وضعية اللاجئ القانونيّة، وهذا ما لا يبدو غريباً لأن المدة القانونيّة هي ثمانيّة أشهر.

الأهم، وهذا ما أشار إليه كثير من المعلقين، أن هناك مئات النساء والرجال من طالبي اللجوء الذين ينامون في شوارع باريس من دون أي اهتمام، بل إن كاستنير نفسه اتهم سابقاً بعض منظمات الإغاثة الإنسانية بالعمل كمهربين للاجئين إلى الأراضي الفرنسيّة.

بعد تغريدة كاستنير ردت نيغزيا عبر حسابها على "إنستغرام": "حضرة الوزير، أشكرك من صميم قلبي على دعمك، رسالتك مستني، وفرنسا، البلد الذي أحب، مكان رائع، وككل الفنانين الإيرانيين، أشعر بأني قريبة من هذه البلاد، سعادتي لا توصف لأني الآن قادرة على رؤية مستقبلي بوضوح، شكراً لك مرة أخرى، يشرفني أن آخذ باليد التي مدّتها إليّ بلادك".

Instagram Post

بعض المقالات تتعامل مع نيغزيا بحذر عند الكتابة عنها، خصوصاً أنها تمتنع عن انتقاد النظام في إيران بصورة مباشرة، بل تقول إنها "هربت من القوانين الغبية في بلادها"، كما أنّها تمشي في باريس وكأنها دوماً على منصة العرض، فهي تؤمن بأنها "أميرة"، وقادرة على شق نهر السين والمشي عبره.

ترسم نيغزيا لنفسها صورة تخالف ما اعتادت عليه وسائل الإعلام الفرنسيّة عند التعامل مع قضايا اللاجئين، إذ تقول إنها من أسرة ليبراليّة، ووالدها المهندس المدني لا مشكلة لديه في عملها، أما والدتها فلا تتحدث معها، والأهم، أنها لا تلعب دور الضحيّة، فبالرغم من نومها في الشارع إلا أنها حافظت على رشاقتها حسب قولها، بقيت تتمرن كل يوم، لتحافظ على معنوياتها العاليّة.

لا تخفى على أحد نبرتا التهكم والحنق في التعامل مع حكاية نيغزيا. ما الذي يميزها عن غيرها من آلاف طالبي اللجوء الذين لم يتدخل لأجلهم وزير الداخليّة الفرنسيّ، خصوصاً بعد تغير إجراءات طلب اللجوء في فرنسا والتي تترك طالبي اللجوء معلقين من دون القدرة على العمل، فلماذا نيغزيا؟

ألأنها عارضة أزياء؟ امرأة؟ إيرانيّة؟ هذا التسييس والتدخل السيادي جعل كثيرين يرون في قصتها الإعلاميّة لا في حقها اللجوء، مجرد حملة علاقات عامة وتعليق على الوضع السياسي والعلاقات مع إيران، ففرنسا لم تنسحب من الاتفاق النووي، ولا تزال استثماراتها فاعلة في إيران، لتبدو قصة نيغزيا أشبه بمحاولة لتبييض وجه فرنسا، في ظل غياب التهديد الفعليّ على حياة نيغزيا، المصطلح القانونيّ الذي يُعتبر شرطاً في حكايات اللجوء التقليديّة، والذي لا بدّ من إبرازه بوضوح. لكن المشكلة، أنه لا دليل على أن نيغزيا تلقت تهديدات مباشرة بالموت، فلم هذا الإسراع لاحتضانها؟
Instagram Post
تعليق: