نيران في كردستان... أزمة تجمع كل مشاكل الإقليم العراقي

12 أكتوبر 2015
الصورة
من مواجهات السليمانية قبل يومين (شيوان مصطفى/فرانس برس)
+ الخط -
يجمع مراقبو الشأن الكردي العراقي، على أن الأزمة الأخيرة التي اندلعت في محافظة السليمانية، تحت شعار رواتب موظفي القطاع العام، ليست سوى انفجار لكافة أزمات الإقليم العراقي الشمالي، دفعة واحدة، تحت شعار مطلبي معيشي. عوامل الأزمة تتنوع من الخلاف السياسي الحاد حول الدستور والنظام السياسي في الإقليم شبه المستقل عملياً، وتمرّ بانعدام الثقة بين الأحزاب الرئيسية المنشغلة بالحرب مع تنظيم "داعش"، ليأتي ملف حزب العمال الكردستاني التركي ويضيف إلى كل تلك العناوين العريضة، طابعاً متفجراً كانت شظاياه واضحة في أحداث السليمانية، في الأيام الثلاثة الماضية.

وتضع الاضطرابات التي فرضت نفسها بقوة على المشهد في إقليم كردستان العراق، أخيراً، والتي خلّفت قتلى وجرحى، الاستقرار النسبي والنمو الاقتصادي فيه على المحك. فقد قام معلمو المدارس والموظفون الحكوميون في بلدات عدة تابعة لمحافظة السليمانية، وهي إحدى المحافظات الثلاث التي يتألف منها إقليم كردستان، إلى جانب محافظتي أربيل ودهوك، بالإضراب عن العمل مطلع الشهر الحالي، بسبب تأخر الحكومة في صرف رواتبهم للأشهر الثلاثة الماضية. وفي الوقت الذي كان أولئك الموظفون بانتظار إعلان حكومة الإقليم عن إجراءات وحلول لمشكلة الرواتب، ذهبت الأحزاب المشاركة في الحكومة إلى تعقيد الوضع أكثر، بالإعلان عن إخفاقها في التوصل إلى حل بخصوص تعديل قانون انتخابات رئاسة الإقليم ورسم سلطات رئيس الإقليم، لتبقى الأزمة السياسية مصدر تهديد لاستقرار الإقليم، وحتى لحركة السوق فيه، ولتبقى الأوضاع مفتوحة على جميع الاحتمالات، من بينها الاقتتال الداخلي.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، انفجر الشارع باحتجاجات غاضبة، لكن لم يكن المعلمون والموظفون ممن تأخرت رواتبهم عناصر فعالة في ذلك الحراك، بل كان الشبان والمراهقون هم من حركوا الوضع. لكن، بدلاً من أن يذهب المتظاهرون إلى المقرات الحكومية للاحتجاج أمامها لإجبار الحكومة على إيجاد حل للرواتب، فضلوا إضفاء بُعد سياسي واضح على الأزمة، عندما تعرضوا لما لا يقل عن 10 مقار تابعة لحزب الرئيس مسعود البرزاني، الديمقراطي الكردستاني، وقاموا بحرق معظمها وتخريبها، كما قتلوا وأصابوا عناصر تابعين للحزب. وسارع حزب الرئيس إلى توجيه الاتهام لجهة محددة وهي "حركة التغيير" المعارضة، وهي ثاني الأحزاب تمثيلاً في البرلمان، وقال إن هناك أدلة بحوزته تثبت أن قادة في الحركة المذكورة "اندسوا" وسط المحتجين ووجهوهم نحو المقار الحزبية وطالبوا بحرقها.

وقال آري هرسين، عضو برلمان كردستان عن حزب الرئيس، إن حركة التغيير وأحزابا أخرى مؤيدة لها لعبت دوراً محرضاً ضد حزبه. وأضاف، في تدوينة على موقعه، قامت ببث مواد لعبت على العامل النفسي للشبان والصبية، وحرضتهم على استهداف الرئيس وحزبه وتحميله وحده مسؤولية أزمات الإقليم.

اقرأ أيضاً: أزمة رئاسة إقليم كردستان العراق... نحو انتخابات برلمانية مبكرة

وليس العامل الداخلي هو الوحيد في تفجر الوضع في كردستان العراق، حيث هناك عوامل خارجية أيضاً، بعدما كشفت فيديوهات للاحتجاجات، إطلاق بعض المحتجين نداءات تمجد حزب العمال الكردستاني التركي، في إشارة لدور ما لأنصار الحزب في الأحداث. ويربط كثيرون، في حال ثبت تورط "العمال الكردستاني" في الأحداث، بين العلاقة السيئة التي تربطه بحزب البرزاني من جهة، في مقابل العلاقة الجيدة بينه وبين حزب الاتحاد الوطني (حزب الطالباني) وحركة التغيير المنشقة عنه، من جهة ثانية.

يقول السياسي الكردي المستقل والمخضرم، محمود عثمان (77 عاماً)، الذي سبق أن كان عضواً في البرلمان العراقي لدورتين سابقتين في تصريح حول الأزمة لـ"العربي الجديد" إن "هناك أطرافاً في بغداد وفي خارج العراق من الدول المحيطة تريد تخريب الوضع في إقليم كردستان وتدفع إلى سرعة تحقيق ذلك". ويعود أصل هشاشة الوضع السياسي في إقليم كردستان إلى كونه يحتكم إلى قوانين، لا إلى دستور يفصل في جميع القضايا كمرجع. وقد نجح الحزبان الرئيسان في الإقليم وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني (حزب البرزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (حزب جلال الطالباني) في عام 2009 بتمرير مسودة دستور للإقليم في البرلمان تمهيداً لطرحها على الاستفتاء الشعبي، لكن الانشقاق الذي كان حصل في حزب الطالباني، ونشوء حركة التغيير من صفوفه، أدى إلى تعطيل الاستفتاء الدستوري، إذ وقفت الحركة التي نشأت حديثاً ضد مسودة الدستور وطالبت بإعادة كتابتها.

هذا الوضع السياسي الهش، فضلاً عن ظهور تهديدات "داعش" للإقليم، واندلاع الحرب معه، دفع بكل من حركة التغيير، وحزب الاتحاد الإسلامي، والجماعة الإسلامية، وهي كانت أحزاب المعارضة في الدورة البرلمانية السابقة، إلى استغلال الفرصة لممارسة الضغط على الحزب الديمقراطي الكردستاني (حزب البرزاني) لتقديم تنازلات، بدأت باستحقاقات الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وقد تم ذلك بالفعل، فجرى تشكيل حكومة ائتلافية ذات قاعدة واسعة، وطرحت الاستحقاقات الانتخابية جانباً. ثم كان التنازل التالي بالمطالبة بإعادة كتابة مسودة الدستور من جديد، وقد تم تشكيل لجنة من 21 عضواً لإعادة كتابة الدستور، لكن الأحزاب الكردية، بدلاً من حل الخلافات في مسودة الدستور، استبقت الأمور وراحت تعمل لتعديل النظام السياسي في الإقليم في البرلمان، وهو ما خلق الأزمة السياسية الحالية.

اقرأ أيضاً: دخول أميركي على خط الأزمة الرئاسية في كردستان العراق

وتنادي أربعة من الأحزاب الخمسة الرئيسية في الإقليم، وتشغل بمجموعها 58 من أصل 111 مقعداً في البرلمان، بإخضاع رئيس الإقليم للمساءلة أمام البرلمان عند حصول الأزمات والإخفاقات، وبالحد من سلطاته الواسعة، وهو ما يرفضه الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي ينتمي له رئيس الإقليم ورئيس الحكومة نيجيرفان البرزاني أيضاً.

ويتضمن قانون الرئاسة النافذ حالياً في إقليم كردستان العراق، بنوداً تنص على انتخاب الرئيس من قبل الناخبين بصورة مباشرة، كما تمنحه سلطات سياسية وأمنية وتنفيذية أكبر بكثير من تلك التي يتمتع بها رئيس الجمهورية في بغداد، حيث الرئيس في الحالة الأولى حاكم فعلي، وفي بغداد منصبه شرفي رمزي. ويحق للرئيس في إقليم كردستان، قيادة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية باعتباره القائد الأعلى لها، كذلك يحق له الإشراف على عمل الحكومة والمصادقة على قوانين البرلمان أو تعطيلها، وإلغاء البرلمان وحل الحكومة في بعض الحالات، وتعتقد الأحزاب الأربعة المطالبة بإجراء تعديلات أن سلطات الرئيس الواسعة تجعل من البرلمان غير فاعل في أداء مهامه التشريعية والرقابية على الحكومة.

أما وجهة نظر الفريق الآخر، فتفيد بأنه لا يشترط أن يلجأ الرئيس إلى استخدام جميع سلطاته، بدليل أن الرئيس الحالي مسعود البرزاني، المستمر في الرئاسة منذ عام 2005، لم يقُم ولو لمرة واحدة بحل البرلمان أو الحكومة، كما لم يتخذ قرارات عسكرية وأمنية حساسة من دون مشاورة الأحزاب والبرلمان. ويرى هذا الفريق أيضاً، أن الإقليم بحاجة إلى رئيس ذي سلطات حقيقية، على عكس ما هو حاصل في بغداد مع رئيس الجمهورية، الذي يعجز عن التدخل في الخلافات والأزمات بين أطراف البرلمان والحكومة.

بدورها، أدت الأزمة الاقتصادية في الإقليم دوراً كبيراً في تفجر الأوضاع، وكانت الأزمة الاقتصادية قد ولدت في أعقاب توقف الحكومة العراقية، مطلع 2014، بقرار من رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، عن صرف حصة الإقليم من الميزانية والبالغة 1.2 مليار دولار شهرياً، ورواتب الموظفين والمتقاعدين، وهي تقدر بـ730 مليون دولار شهرياً. وتسبب ذلك في الضرر المباشر بالنسبة لمعظم سكان الإقليم، باستثناء طبقة صغيرة من الأثرياء، يشكل السياسيون وأُسرهم وأقرباء لهم معظم أفراد تلك الطبقة.

وتقدر إحصائيات رسمية عدد متقاضي الرواتب من حكومة الإقليم بمليون و430 الفاً، بينهم 682 ألفاً هم موظفون مدنيون لا يزالون في الخدمة، ونحو 180 ألفاً كعسكريين وأفراد المؤسسات الأمنية، و568 ألف متقاعد من الفئتين المدنية والعسكرية. ويشكل أصحاب الرواتب نسبة 28.60 في المائة من مجموع سكان الإقليم البالغ عددهم نحو خمسة ملايين نسمة.

مخارج الأزمة

يقول أستاذ القانون في جامعة صلاح الدين، عبدالحكيم خسرو، رداً على سؤال "العربي الجديد" حول رؤيته لسبل حل الأزمة الحالية، إن "الأحزاب السياسية قد تلجأ إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكن لبحث ترتيب مرحلة انتقالية وتأجيل مسألة التوافق حول النظام السياسي، وهذا الطرح يؤيده الحزب الديمقراطي الكردستاني (حزب البرزاني)".
وكان حزب البرزاني قد أعلن، في بيان له مساء السبت، عن نيته استبعاد حركة التغيير من الحكومة، وهذا يجعل ترتيبات المرحلة الانتقالية محصورة بشكل رئيسي بين حزبي البرزاني والطالباني اللذين تحالفا على قيادة الإقليم طيلة السنوات الـ15 الأخيرة. بالتالي، من غير المستبعد إخراج الأحزاب التي كانت في المعارضة في الدورة البرلمانية السابقة، وهي حركة التغيير، والجماعة الإسلامية، والاتحاد الإسلامي من الحكومة.
ففي الوقت الذي تواجه فيه قوات البشمركة المنتمية لحزبي البرزاني والطالباني أساساً، مسلحي تنظيم "داعش" على جبهات القتال ويدير قادة في الحزبين المعارك، يقود السياسيون في الأحزاب الأخرى الاحتجاجات، وهذا الأمر قد يكون مبرراً لذهاب الحزبين الرئيسيين للعودة إلى احتكار إدارة اللعبة السياسية في الإقليم.

اقرأ أيضاً: اتفاق أحزاب كردستان حول أزمة رئاسة الإقليم مؤجل

المساهمون