نوستالجيا الثورة

23 يناير 2015
الصورة
حشود في ميدان التحرير ضد مبارك في 2011 (GETTY)
+ الخط -


يواصلان النقاش بشكل شبه يومي. يتذكران ما مرا به خلال السنوات الأربع الماضية. تضررا منه بلا شك، لكن حرصهما على مواصلة ما بدأ على الأرض وشاركا فيه بجدية، مثير للعجب، وسط مظاهر إحباط ويأس واسعة من حولهما.

يحاولان دوماً استرجاع ما بقي لهما من حكايات. يلملمان بقايا ذكريات متناثرة عن أحداث بعينها، بعضها يبدو كأنه مازال حيّاً، أشخاص ومواقف، نجاحات وانكسارات، أفراح وأتراح، يضحكان أحياناً، لكن الوجوم يسود وجهيهما في معظم الأوقات. فجأة يهللان لبعض الوقت، قبل أن يطغى الحزن مجدداً على ملامحهما.

يُذكرُها بصديقهما المشترك الذي كان رفيق ميدان الثورة لشهور، ويبدأ في حكاية بعض مواقفهم المشتركة عندما كانوا في المسار نفسه. تصب هي اللعنات على الصديق وسيرته، فيتوقف هو عن السرد. لا تنسى، أبداً، أحداثاً لاحقة كان هذا الصديق السابق فيها عدواً لدوداً، بل وأحيانا كثيرة محرضاً على سلامتها وسمعتها.

في المقابل، تُذكرُه بالشخصية الشهيرة التي كانا يثقان فيها ويدعمانها، وأين أصبح بعد أن كان قد ملأ السمع والبصر، يتلفظ هو بشتائم متنوعة يلصقها بتلك الشخصية، فتتوقف هي عن السرد. لا ينسى أبداً أنه انقلب على كل المبادئ التي روج لها، وأنه خان كل ما أقنعهم به وجعلهم، وغيرهم كثيرون يلتفون حوله.


بمرور الوقت أصبح كلاهما خبيراً في إدارة الحوار حول "نوستالجيا الثورة"، وأيامهما فيها، سواء تلك السعيدة والحزينة، الآمنة والخطرة، تهيمن دوماً على حديثهما، باتا يعرفان متى يطلقان العنان للحديث، ومتى يتوقفان، ما يمكن أن يقال، وما لا حاجة لتذكره.

مع كل واقعة جديدة أو تصريح مثير، يعودان لربط الخيوط ببعضها، يوماً بعد يوم يتكشف لهما الكثير مما سبق أن غاب عنهما. كلما جرت في النهر مياه أكثر، كلما بات الماء رائقاً، وكلما وقعت في الوطن أحداث، كلما تكشفت أسرار أحداث مضت.

يضحكان أحياناً، ويبكيان كثيراً كلما جال بخاطرهما ذكرى أيام طويلة قضياها فيما يطلق هو الآن عليه "العبث الثوري بلا طائل".

ترفض هي بشكل يبدو مكرراً، ذاك المصطلح الذي يحرص على تكراره، هي ترى أن كل ما مر بهما كان ينبغي أن يمر، وأن التجربة هي السبيل الوحيد للتعلم. ما يراه هو "عبثاً ثوريّاً"، تعتبره هي "تجربة ضرورية".

هو متيقن أن "الفجر قريب"، وهي ترى أن "ضوءاً في نهاية النفق"، لكنها لا ترى نهاية النفق قريبة، في حين يكرر هو أن النهاية أقرب مما تتخيل.

لم يفقد أيهما الأمل أو يتخل عن إيمانه بضرورة استكمال ما بدأ. يختلفان فقط حول التوقيت وبعض التفاصيل، هي ناقمة تدعو للقصاص، وهو غاضب يطلب الانتقام.

المساهمون