نهر النيل يبتلع أبناءه

24 يوليو 2015
الصورة
الأهالي وأصحاب المراكب هم الذين انتشلوا الضحايا (العربي لجديد)

نغّص غرق أكثر من 16 مواطناً مصرياً من بينهم أطفال ونساء وإصابة سبعة آخرين، نتيجة انقلاب "مركب نزهة" في النيل، فرحة المحتفلين بعيد الفطر. وكان المركب قد اصطدم مساء الأربعاء الماضي في منطقة الوراق في محافظة الجيزة بصندل لنقل البضائع، مضيفاً حادثاً جديداً على قائمة حوادث مراكب النيل. تجدر الإشارة إلى أن هذه المراكب هي وسيلة الفقراء للتنزه في النيل، في أيام الأعياد والإجازات الطويلة، إذ لا تتعدى كلفة تذاكرها الجنيهات المصريّة الخمسة (0.65 دولار أميركي).

وكانت الأحوال الاقتصادية الصعبة قد دفعت بالأسر إلى النيل في سادس أيام العيد. هناك، كانت تنتظرها مراكب النزهة مع موسيقاها الصادحة وأضوائها الباهرة، في نيل القاهرة والجيزة. ويقف عادة "الأتوبيس النهري" الخاص بالفقراء بالقرب من الفنادق العائمة والبواخر السياحية الخاصة بالأثرياء، ينتظر ركابه. وتنتعش هذه الرحلات في عيد الفطر، في ما يشبه إعادة الأمل إلى أصحاب هذه المراكب، إذ تعيد حركة العيد الحياة إلى نشاطهم الذي ظلّ معلّقاً طوال الأشهر الماضية. ويأتي العيد وإجازته الطويلة نسبياً، فيسجَّل إقبال كبير على هذه الرحلات النيلية، ويعمد أصحاب المراكب أو مشغّليها إلى تعليق أضواء الزينة وتشغيل الأغاني الشعبية لجذب المواطنين.

وكانت التحقيقات التي تشرف عليها النيابة العامة قد كشفت أن 97% من المعديات النيلية لا تصلح للاستخدام البشري، إذ إن أكثرها متهالكة وغير مطابقة لمواصفات السلامة والأمان. ويعود ذلك إلى عدم صيانتها دورياً، وهو ما ينذر بتكرر كوارث مشابهة لتلك التي وقعت أمس الأول مع ضحايا كثيرين. وقد أضافت التحقيقات أن ملايين المواطنين في المحافظات المصريّة، يعتمدون في تنقلهم بين ضفاف نهر النيل على تلك المراكب. هي وسيلة نقل رخيصة الكلفة وسريعة، لقضاء مهامهم اليومية من أشغال ودراسة وتسوق وزيارات وحتى لدفن الموتى، في مقابل جنيه واحد (0.13 دولار) للفرد. وقد أشارت التحقيقات التي أجريت أمس مع عدد من المسؤولين في شرطة المسطحات المائية، إلى أن محافظة المنيا في صعيد مصر من أكثر المحافظات عرضة لتلك الحوادث، نظراً لعدم وجود جسور علويّة على النيل ولأن أكثر المراكب تعاني من عيوب فنيّة جسيمة. ومن تلك العيوب تكرار تعطل المحركات وتعدّد الثقوب نتيجة الصدأ وتآكل وتهشم أجزاء من المعديات، في حين لا يعمد أصحابها إلى تصليحها بسبب الجشع وعدم توفّر رقابة حكوميّة.

ولعلّ المشكلة الكبرى التي أكدتها التحقيقات، هي قيام أبناء أصحاب تلك المراكب بقيادتها بدلاً من تشغيل محترفين، وهو ما يؤدي إلى حوادث مميتة. يُضاف إلى ذلك من جهة أخرى، تلوّث مياه النيل من وسائل النقل تلك التي تستخدم السولار الملوث للبيئة، إلى جانب الزيوت التي تتسرّب منها ومخلفاتها في مياه النهر.

وقد أفاد مصدر أمني في وزارة الداخلية بأن أجهزة الأمن بالتنسيق مع شرطة المسطحات المائية تلاحق مشغلي المراكب النيلية غير المرخصة التي تكثر في القاهرة الكبرى، خصوصاً في منطقة التحرير بعد غرق مركب الوراق. وكشف المصدر لـ"العربي الجديد"، أن ثمّة عشرات من المراكب النيلية التي يستقلها المواطنون بهدف التنزه وفي بعض الأحيان لإقامة حفلات زفاف وخطوبة وأعياد ميلاد على متنها. وهي بأكثرها متهالكة وغير صالحة للاستخدام، في حين تحمل عدداً أكبر من الركاب بالمقارنة مع قدرتها، فتتعرّض إلى الغرق باستمرار.

وكانت حوادث غرق عديدة قد سجّلت أخيراً في النيل، سواء في فترة الأعياد والمناسبات أو في الأيام العادية. وقد نجا بأعجوبة الأحد الماضي، محتفلون بزفاف في أحد المراكب النيلية في محافظة كفر الشيخ. هو غرق نتيجة حمولته الزائدة.

إلى ذلك، كشف الحادث الأخير عدم الالتزام بالقرارات الرسمية، إذ ثمّة قرار لوزارة الموارد المائية يمنع عبور الصنادل الكبيرة في مياه النيل بعد الساعة الخامسة عصراً. وتعليقاً على الحادث، قال وزير الموارد المائية والري الدكتور حسام مغازي، إن الوزارة سوف تضع خطة جديدة للتعامل مع الناقلات والصنادل النيلية لعدم تكرار الحادث.

بالنسبة إلى سمير إبراهيم، فإن "التنزه على الجسور والكورنيش وفي مياه النيل هو المتاح لنا كفقراء"، مضيفاً أن "الحكومة تستكثر علينا التنزه في العيد. نحن لا نملك الفلوس لنقصد رأس البر أو لاصطحاب أولادنا إلى الملاهي". من جهته، يتهم صاحب أحد المراكب "الحكومة بعدم الكشف الدوري على تلك المراكب. فكثيرة هي المتهالكة وغير الآمنة والتي لا تصلح للعمل. كذلك، أكثرها تتحرّك من دون ترخيص". ويشير إلى أن في "الحادث الأخير، وصلت شرطة المسطحات بعد أكثر من 20 دقيقة من الحادث. الأهالي وأصحاب المراكب هم الذين انتشلوا الضحايا والمصابين من المياه".

اقرأ أيضاً: قضبان مصر تُحاصر كعك العيد