نهر الجنون في سورية

07 مايو 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -
لعلّه لم يكن في حسبان الراحل، توفيق الحكيم، أنّه سيكتب توصيفاً دقيقاً لمستقبل البلاد العربية، وربما لم يخطر بباله أبداً أنّ تجسيداً لمسرحيته "نهر الجنون" سيحدث في الواقع، وعلى امتداد جغرافية الوطن العربي، فتصبح رقعة "بلاد العرب أوطاني" مسرحاً تدور بين جنباته أحداثٌ عبثية، تعبّر عن رؤية الحكيم، وتؤكد قدرته على استشراف هذا المستقبل. فأحداث مسرحية "نهر الجنون" تدور في قرية يُصاب أهلها بالجنون، ويعتقد أهلها أنّ الشفاء من هذا الداء هو الشرب من ماء النهر. وفي المقابل، يبقى الملك ووزيره على رؤيتهما إنّ أهل القرية قد جنّوا بسبب شربهم من ماء النهر الذي تسمم بداء الجنون؛ لذا، يحجم الملك ووزيره عن شرب ماء النهر، ويستبدله بنبيذ الكروم، خوفاً من الإصابة بداء الجنون.
تدور أحداث المسرحية على هذا النحو من تعنّت كل من الطرفين برأيه، الملك ووزيره في طرف، وسكان القرية بمن فيهم (زوجة الملك، ورأس الأطباء، وكبير الكهان) في الطرف المقابل. إلى أن تنتهي مجريات الأحداث باستسلام الملك ووزيره، واقتناعهما بالتنازل عن عقلهما، حسب اعتقادهما، والنزول عند رغبة أهل القرية. وهنا جوهر القصة، حيث يشير الكاتب إلى ضرورة الانسياق وراء رأي الأكثرية؛ إذ يعطي الوزير رأيه ملخّصاً هدف المسرحية قائلاً: إنّهم يرموننا بالجنون، ويتهامسون وﻳﺘﺂﻣﺮون علينا، وﻣﻬﻤﺎ يكن ﻣﻦ أمرهم، وأﻣﺮ عقلهم، ﻓاﻟﻐﻠﺒﺔ لهم، ﺑﻞ إنهم وحدهم الذين يملكون اﻟﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ اﻟﻌﻘﻞ والجنون. لأنهم هم اﻟﺒﺤﺮ، وﻣﺎ ﻧﺤﻦ إﻻ ﺣﺒﺘﺎن ﻣﻦ رﻣﻞ. 
بعيداً عن تحليلات وقراءة المسرحية ذاتها، وما ترمي إليه أحداثها، نجد أنّ فكرة الحكيم تعبيرٌ صادقٌ عن واقعنا المعيش، وتجسيدٌ لانقسام حاد في المجتمع العربي اليوم. وكلّ فريقٍ يسعى إلى تغليب رأيه على رأي الفريق المقابل، وبالطبع، كل فريقٍ يرى في موقفه الصواب، وينعت الآخر بالجنون تارةً، وبالعمالة والخيانة تارةً أخرى.
الأمر مختلف، عندما نتحدث عن سورية تحديداً، فما شهدته البلدان العربية لا يكاد يكون غيضاً من فيض مما تشهده سورية اليوم، من قتلٍ وتدمير في ثلاث سنوات من العذاب، ترسخت جذورها في ذاكرة السوريين ووجدانهم. ففي سورية، لا يمكن أن ينطبق المشهد الذي نسجه الحكيم، في مسرحيته، من اصطفاف جماعةٍ على رأي واحد، وإجبار الأقلية على القبول برأي الأكثرية، ولو كانوا على خطأ. فربما يجد بعض أنصار هذا الفريق، أو ذاك، مسوغاتٍ تدفعه للتمترس وراء حليفه، سواء كان نوري المالكي في العراق، أو عبد الفتاح السيسي في مصر، أو الحوثيين في اليمن.
في سورية، الأمر مختلفٌ تماماً، ولا يحقّ لأحد أن يقسم المجتمع إلى حزبين، يرفع كلٌ منهما علماً مختلفاً، ويدّعي العقلانية، لينعت خصمه بالجنون والخيانة والتآمر. فالحق أبلج والباطل لجلج. وفي سورية تحديداً، لا يمكن القول إنّ المجتمع انقسم بين "وطني" يدافع عن النظام والبلد، و"مندس" متآمر وعميل وخائن، كما وصفه رأس النظام. في سورية فقط، تسقط البراميل فوق رؤوس المدنيين، من دون تمييز، وفي سورية فقط، يصفق العالم للسّفاح، وهو يحزّ رقبة ضحيته، ووحدهم السوريون يصارعون جبروت طاغيةٍ مستبدٍ، استعان بمرتزقة العالم من كلّ حدب وصوب، لكي يحقق شعار "الأسد أو نحرق البلد".
إذن، ليس ثمة من يمكنه أن يدّعي الإنصاف، بوقوفه إلى جانب النظام، ولا يمكن لعاقلٍ أن يصدّق مقولتهم، ليس لأنّ الغلبة للجمهور، كما ورد في مسرحية توفيق الحكيم، بل لأن الحق واضحٌ وضوح الشمس، ولا يمكن تغييبه، ومن أراد الانحياز إلى جانب القاتل، لا يعدو كونه شريكاً في القتل، وفي سفك دماء الأبرياء. لذا، لا يحقّ لأحدٍ أن يدّعي وقوفه إلى جانب النظام، واتخاذه موقفاً صادراً عن رأي، وأنّ على الفريق الآخر احترام حرّية الرأي.
  لم تعد المسألة حرية رأي، تستوجب على الآخرين احترامه، فمن أراد أن يكون إلى جانب القاتل فهو قاتل. ومن يتغنّى بانتصارات جيشه الباسل، المؤيد بحزب الله وعصائب أهل الحق ومرتزقة المالكي، لتحرير يبرود والمليحة ودوما وغيرها هو من يخون وطنه، وهو من يخون إنسانيته، إن وجدت، سنياّ كان أم علوياً أم مسيحياً أم كردياً.

 
avata
avata
أحمد العُجيلي (سورية)
أحمد العُجيلي (سورية)