نهاية أسبوع ليبية حاسمة بتونس: ضغوط لتعويم حكومة "الوفاق"

14 مارس 2016
الصورة
مساعٍ لدعم القوات الليبية التابعة لبرلمان طبرق(عبدالله دوما/فرانس برس)
+ الخط -

تسارعت الأحداث الليبية في تونس نهاية الأسبوع الماضي، وتلاحقت الاجتماعات الليبية والأوروبية والدولية بشكل لافت، وهو ما يؤشر إلى متغيّرات جديدة في الأيام المقبلة، أبرزها إعلان المجلس الرئاسي عن حكومة "الوفاق" ممثلاً وحيداً للدولة، ومعبّراً عن رغبة سياسية قوية في الإمساك بزمام الأمور. فقد دعا المجلس الرئاسي الليبي برئاسة فائز السراج، السبت، المجتمع الدولي إلى عدم التعامل مع أية جهة في ليبيا غير حكومة "الوفاق". كما دعا كافة المؤسسات السيادية والجهات العامة في الدولة الليبية، وعلى رأسها المؤسسات المالية الرسمية، للبدء في التواصل فوراً مع حكومة الوفاق الوطني لوضع الترتيبات اللازمة لتسليم السلطة.

وبنى المجلس الرئاسي لحكومة "الوفاق الوطني"، موقفه على ما سماه بـ"الدعم اللامحدود من أغلبية أعضاء مجلس النواب وكذلك المجلس الأعلى للدولة وأعضاء الحوار السياسي والنخب الوطنية والثقافية"، معتبراً إياه "بمثابة الضوء الأخضر لبدء عمل حكومة الوفاق الوطني واضطلاعها بالمهام الجسام التي شكلت لأجلها". ودعا المجلس المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحادين الأفريقي والأوروبي، لإيقاف التعامل مع أية سلطة تنفيذية لا تتبع حكومة "الوفاق الوطني".

وكان أعضاء الحوار السياسي الليبي أكدوا في اجتماعهم في تونس، الخميس الماضي، أن منح الثقة لحكومة "الوفاق الوطني" هو اختصاص أصيل لمجلس النواب (في طبرق)، لكنهم ثمّنوا في المقابل البيان الصادر عن أغلبية أعضاء مجلس نواب طبرق (101 نائب) في 23 فبراير/ شباط الماضي، الذين أعربوا فيه عن موافقتهم على تشكيلة حكومة "الوفاق الوطني"، ما شكّل دعماً سياسياً وقانونياً واضحاً للنواب الموقّعين على وثيقة المصادقة على الحكومة، ورسالة سياسية إلى برلمان طبرق باستكمال المصادقة، وربما تهديداً مبطناً بأن هناك صيغاً أخرى إذا تواصلت عملية إضاعة الوقت، أو كسبه لصالح جهات أخرى.

وطالب أعضاء الحوار السياسي الليبي بأن "يتخذ المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الإجراءات اللازمة لمباشرة عمله من العاصمة طرابلس بسرعة وفقاً للترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاقية"، كما طلبوا من المؤسسات المالية الرسمية وضع الترتيبات اللازمة لتسليم فوري ومنظم وسلمي للسلطة تماشياً مع أحكام الاتفاق السياسي الليبي.

اقرأ أيضاً: فرنسا تريد فرض عقوبات أوروبية على مسؤولين ليبيين

وفي موازاة ذلك، انعقد في العاصمة التونسية أيضاً اجتماع مشترك بين أعضاء لجنة الحوار السياسي و18 سفيراً ومبعوثاً دولياً معتمداً في ليبيا، لمناقشة آخر مستجدات تطبيق الاتفاق السياسي. وخلال افتتاح الاجتماع، أكد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن كوبلر، "أن ليبيا ليست وحدها، بل هي جزء من المجتمع الدولي". وأكد المشاركون على ضرورة دعم ‫ ‏حكومة "الوفاق" للتمركز في ليبيا، وتقديم مساعدة عاجلة للحكومة فور المصادقة عليها، وتقديم دعم لوجيستي واستخباراتي للجيش الليبي، إضافة إلى تقريب وجهات النظر بين ‏الأطراف السياسية لبناء وحدة وطنية ضد الإرهاب والتطرف، مؤكدين ضرورة الدعم الاقتصادي من ‫ المجتمع الدولي لليبيا.

غير أن بيان المجلس الرئاسي القوي والأول من نوعه، جوبه في اليوم نفسه ببيان آخر صدر عن ممثلي أحزاب وأعضاء في مجلس النواب، رفضوا فيه بيان المجلس الرئاسي الصادر السبت، الذي دعا كل الجهات السيادية للتواصل مع حكومة "الوفاق" لتسليم السلطة سلمياً، معتبرين إياه "محاولة للقفز على استحقاقات أساسية واردة في الاتفاق السياسي الليبي، واستخداماً سيئاً لبيان أعضاء الحوار السياسي الليبي بلغ حد الاستخفاف، وأن أي خرق فاضح فيه قد يفقد المجلس الرئاسي أي مصداقية"، مؤكدين أن المصادقة على الحكومة تبقى "حقاً أصيلاً لمجلس النواب".

وبين التوافق الذي يبدو صعباً جداً في ليبيا، وضرورة إيجاد مخرج للأزمة السياسية، واستمرار الحديث عن تمدد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وتهديده لليبيا وجيرانها، تبدو المرحلة بحاجة إلى حسم سريع للأمور. غير أن الانقسام في المواقف ليس ليبيّاً فحسب، وإنما يتجلّى دولياً كذلك، إذ تختلف المواقف الأميركية عن الأوروبية، وتختلف الأوروبية مع العربية، وتتناقض العربية أيضاً في ما بينها، خصوصاً بين دول جوار ليبيا.

وجاء تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما، أن رهانه على الأوروبيين في ليبيا كان خاطئاً، ليصب الزيت على النار. ويعود تصريح أوباما إلى بداية التدخّل الغربي في ليبيا، حين كان "رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون شارد الذهن إبان اتخاذ القرار بإنهاء حكم معمر القذافي، والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي كان يبحث فقط عن صخب مدوٍ يعلن به انتصاراً عسكرياً، وأن الأوروبيين لم يتابعوا الوضع بشكل عام، ولم يظهروا الجدية أو الاهتمام"، بحسب قول أوباما.

فهل يعني هذا التصريح موقفاً جديداً للولايات المتحدة في ليبيا، وهل يعكس رغبة في حسم الموقف بشكل أسرع؟ أم أنها مجرد تصفية حسابات دولية تمهّد لإعادة تقسيم الأدوار في مستقبل ليبيا؟ وربما تكون مجرد تنصّل من المسؤولية في إطار حسابات انتخابية أميركية داخلية، يعرف الجميع أنها تتجنب دائماً أي نوع من الخسارة على الجبهات الخارجية، لأنها قد تكون ضربة قاسمة للمرشحين.

غير أن إدارة اوباما والمرشحة الساعية للحصول على ترشيح الديمقراطيين للرئاسة هيلاري كلينتون كانتا محل هجوم بسبب ليبيا، ما قد يشكّل نقطة إيجابية لكلينتون إذا حققت أي تقدّم في الملف الليبي، وهي تسعى باستمرار لتحصيل نقاط في ليبيا قد تكون مفيدة لها في السباق نحو البيت الأبيض، وتُظهر أن الديمقراطيين ليسوا أقل شجاعة وصلابة من الجمهوريين.

اقرأ أيضاً: أوباما ينتقد كاميرون وساركوزي بشأن حملة الإطاحة بالقذافي

المساهمون