نقطة نظام

05 يوليو 2019
الصورة

(أيمن يسري)

+ الخط -
توفي الفنان المصري، عزّت أبو عوف، قبل أيام، عن 71 عاما. طبيب نساء وتوليد وموسيقي أولا، ثم اتجه متأخرا إلى السينما والدراما والمسرح ممثلا، وظل فيها بطلا ثانيا، أو ثالثا. المدهش في سيرته أنه شارك في نحو 225 عملا في 25 عاما (بحسب جردةٍ سريعة)، وهذا كثيرٌ طبعا، حتى أن أصدقاء له كانوا يُمازحونه في أمره هذا. وفي سهْريةٍ، مع نجومٍ ونجماتٍ من أصحابه ومعارفه (بينهم دريد لحام وإلهام شاهين)، يتوفر مقطعٌ منها في "يوتيوب"، يُفرط صديقه محمود عبد العزيز في "النقّ" عليه، بضحكٍ طيّبٍ ومزاجٍ فرِح، وعلى مشاركاته العديدة جدا في الأفلام والمسلسلات والمسرحيات. وحدث أن حسين فهمي مازحه في ذلك، بودٍّ ظاهر، في لقطةٍ مصوّرة، في كواليس مسلسلٍ جمعهما. ولكن، يقول عزّت أبو عوف، في مقابلةٍ تلفزيونيةٍ معه، استُعيدت في وسائط التواصل الاجتماعي، أخيرا عند وفاته والتّرحم عليه، إن أعمالا له شارك فيها "هايفة" (تافهة)، وإنه أدّى أدواره فيها لحاجته إلى المال. وهذه صراحةٌ طيّبةٌ من الفنان الموهوب حقا، والذي ترأس فترةً مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. 
ليس عزّت أبو عوف وحده من فعلها، وأقرّ أمام الناس بتفاهة أعمالٍ فنيةٍ شارك فيها، فقد قال الكوميديان الباهر، فؤاد المهندس، إن أفلاما له لا قيمة فيها، ولم يكن مقتنعا بها، وإنه أدّى أدواره فيها لحاجته إلى الفلوس (مفردتُه). أما عمر الشريف فربما تكون صراحتُه أكثر شجاعةً لمّا قال، أمام صحافيين، في أثناء استضافته في مهرجان سينمائي في الدوحة في 2011، إنه كره معظم أفلامه. وقال، مراتٍ قبل ذلك، إنه أدّى أفلاما رديئةً في السينما العالمية، تحت ضغط الحاجة إلى المال الذي كان يُنفقه من دون حساب. وقليلون من يُبادرون إلى "اعترافاتٍ" من هذا القبيل، وإن يحدُث أن يأتي فنانٌ (أو فنانةٌ) على سوء توفيقه، في اختياره المشاركة في هذا المسلسل أو الفيلم، من دون القول إن الدافع المادي وراء ذلك. ولافتٌ في أمر أهل السينما والدراما العرب، نجوما وغير نجوم، أنهم يبيعوننا كلاما كثيرا عن رؤىً فنية، وقناعاتٍ برسالةٍ اجتماعية وثقافية، وراء اختيارهم أعمالهم الدرامية والسينمائية والمسرحية. ولو صحّ هذا، لما حضرت أرطالُ الرداءة المهولة في المنتوج العربي الفني، المرئي، ولما شحّت الأعمال النوعية الفريدة حقا، والبديعة التي يجدُر الاحتفاء بها.
مؤكّدٌ أن من المشتغلين في الإنتاج الدرامي والسينمائي، ممثلين ومخرجين وكتاب سيناريو، من هم جدّيون، وحريصون على إبداع المفيد والراقي والممتع، ويتوخّون النجاح في معادلة الجماهيرية والربح المادي مع المستوى الرفيع لما يُنجزون. ولكن هذه البديهية لا تقفز على حقيقة أن هناك من يصنعون هذا كله، وفي الوقت نفسه، يشاركون في منتوجاتٍ متواضعةٍ، أو ضعيفة، أو رديئة جدا. وبديهيٌّ أن الجيد في الحياة عموما أقلُّ من السيئ، وأن المتميّز إما نادرٌ، أو قليل. ولأن هذه الحقيقة من طبائع الدنيا، يكون محمودا ممن تنشغل بشأنهم هذه الكلمات، أي العاملين العرب في السينما والدراما والمسرح، سيما الممثلين والمخرجين، أن يتّصفوا بالتواضع، وبمقادير ملحوظةٍ من الصراحة، بما لا يعني التنازل عن الاعتداد بالذات واحترام النفس، ما يجعل القول المكرور الذائع منهم عن اعتزازهم بكل ما يقدّمون غير مستطابٍ، ولا مقنع.
نقطة النظام أن التمثيل مهنة. صحيحٌ أن على من يتّجه إليها أن يكون موهوبا، ثم مؤَهلا ومدرَّبا، وصاحب شهادة اختصاص أحيانا، إلا أن ذلك، على بداهته، لا ينفي أن التمثيل عملٌ وشغلٌ ومورد رزق. ولذلك طيّب ممن يزاولونه أنه تفلت منهم، في مقابلات الصحافة معهم، مفردة الشّغل بحرفيتها، وهم يتحدّثون عن الفن (ورسالته!). وكانت شادية (112 فيلما و500 أغنية) تقول إن عملها مغنيةً تشتغل في التمثيل (بحسب تعبيرها بالضبط) هو كل حياتها ورزقها وعيشها (بكلماتها). أما عمر الشريف، بعبثيّته المشهودة، فقد غالى بعض الشيء، لمّا قال إن "التمثيل مجرد حفظ كلام والنطق به أمام الكاميرا". .. ليس الأمر هكذا، وإنما التمثيل مهنةٌ جميلةٌ، في ما نظن، تُيسّر الشهرة. فيها الجهدُ والاجتهاد، بقدر ما يحضران ثمّة النجاح والاحترام، وبقدر ما يغيبان تتدنّى القيمة وينقصُ الاعتبار.. رحم الله عزّت أبو عوف.