نقاش تركي حول جدوى البقاء في حلف شمال الأطلسي

نقاش تركي حول جدوى البقاء في حلف شمال الأطلسي

10 نوفمبر 2014
الصورة
جدل حول بقاء تركيا في حلف الأطلسي (كيهان أوزير/الأناضول)
+ الخط -

أثار تغيّر توجّهات السياسة الخارجية التركية، جدلاً متزايداً على مدى العامين السابقين، سواء في وسائل الإعلام المحلية أو الأجنبية، لتكون عضوية أنقرة في حلف شمال الأطلسي في قلب تلك النقاشات.

ويختلف المحللون الأتراك في النظر الى عضوية تركيا في الحلف، فالبعض لا يزال يراها إعاقة لاستقلالية قرار أنقرة وقدراتها على المناورة بما تتطلبه مصالحها، ويدعون إلى التخلّص منها، خصوصاً أن هذه العضوية بدت غير فعّالة بما يكفي لحماية المصالح التركية في الشرق الأوسط.

ويؤكد البعض الآخر أن العضوية، في هذا الحلف، كانت وما زالت حجر الأساس، الذي وضع تركيا في قلب الكتلة الغربية لما يزيد عن 62 عاماً، داعين إلى الحفاظ عليها في ظل الفوضى، التي تعم الشرق الأوسط، وأيضاً في ظل تنامي الطموحات الروسية لاستعادة مجد الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي بدا واضحاً في الأزمة الأوكرانية، خصوصاً أن دخول تركيا إلى الحلف في خمسينيات القرن الماضي، في عهد رئيس الوزراء السابق، عدنان مندريس، كان بدافع الحماية من تغوّل الاتحاد السوفييتي أثناء حقبة الحرب الباردة.

وكان التأخر التركي في الانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، (داعش)، قد أثار ردود فعل شديدة من بعض الجهات الغربية، ومن بينها كان مقال نائب مدير الأبحاث في منظمة الدفاع عن الديمقراطيات، والتي تتخذ من العاصمة الأميركية، واشنطن، مقراً لها، جوناثان شانزر، 

إذ نشر مقالاً في مجلة "بوليتيكو" بعنوان "هل حان الوقت لطرد تركيا من حلف شمال الأطلسي؟"، أكد فيه أن أداء تركيا، تحت حكم حزب "العدالة والتنمية"، حول السياسة الخارجية، أفقدها السبب للبقاء في الحلف، قائلاً: "إن تركيا ببساطة لم تعد شريكاً في الحلف، ولم تعد أيضاً شريكاً في قتال داعش".

كما رأى الكاتب التركي المعروف، فاتح أتالاي، في مقال له بعنوان "هل سيتم طرد تركيا من حلف شمال الأطلسي"، أن تركيا بتعاطيها مع أزمات المنطقة تنجرف بسرعة بعيداً عن الغرب، إذ وصلت الى منعطف حاسم آخر مع أزمة مدينة عين العرب السورية، مشيراً إلى أن النقاش يجب أن يكون حول أسباب استياء الغرب من أنقرة، بدلاً من أن يكون حول ما إذا كان سماح تركيا لقوات البشمركة بالدخول إلى المدينة حسّن رؤية الغرب لتركيا أم لا.

لكن بالنسبة إلى الكتّاب والمثقفين المقربين من الحكومة التركية، فقد كان الأمر مختلفاً، فلم يكن استياء الغرب من تركيا وإصلاح ذلك أمراً مهماً، بقدر ما كان النقاش يدور حول إعادة رسم مسار السياسة الخارجية التركية بما يتوافق مع مكانة البلاد كقوة عالمية مستقلة وقوية.

ورسم كبير مستشاري الرئيس التركي رجب أردوغان، يغيت بولوت، في مقال له بعنوان "عقيدة 2023 والمساهمات المتوقعة"، سيناريوهات طموحة للنظام العالمي، متوقعاً بروز مركزين جديدين للقوى العالمية في العقد المقبل إضافة إلى الولايات المتحدة، هما كل من الصين وتركيا، مطالباً باتخاذ الخطى الروسية، بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في السياسة العالمية مثالاً على ذلك.

وفي مقال آخر له بعنوان "هل يخططون لتدخّل من حلف شمال الأطلسي في تركيا؟"، أشار بولوت الى أن هناك "قوى قذرة" داخل وخارج تركيا، هي ذاتها التي استخدمها "الانقلابيون" من العسكر في الماضي، والتي تأكد بشكل لا يقبل النقاش أنها لن تستطيع إسقاط حكومة "العدالة والتنمية" عبر الانتخابات، تسعى الآن إلى تدخّل دولي في تركيا يُسقط الحكومة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي.

من جهته، تساءل الكاتب، تامر كوكماز، في مقال في صحيفة "يني شفق" التركية الموالية للحكومة، "عما قدّمه حلف شمال الأطلسي لتركيا منذ دخولها إلى صفوفه عام 1952"، معتبراً أنه "بالنسبة إلى تركيا، كان الحلف يعني الانقلابات العسكرية، وصاية العسكر على السلطة، أزمات اقتصادية، استقطاب مجتمعي، أزمات، صراع واقتتال داخلي، استفزاز، عدم استقرار، قمع وتعذيب، دماء، دموع وموت، قتل خارج القانون وإرهاب منظم".

ويرى الكثير من الباحثين الأتراك أن هذه العضوية في الحلف عزّزت ثقة الجيش التركي بنفسه، كونه الركيزة الأساسية في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي، مما جعل الجنرالات يجرؤون على الخروج من الثكنات ليصبحوا لاعباً مؤثراً في السياسة.

في غضون ذلك، يتزايد النقاش داخل أروقة الحكم في أنقرة حول سياسات حلف شمال الأطلسي الأخيرة، إذ يؤمن الكثير من صنّاع القرار في تركيا بأن الحلف ما زال يغفل التهديدات، التي تواجهها تركيا لحساب مصالح الولايات المتحدة والدول الغربية الأساسية، التي تتحالف معها بشكل تقليدي، وبدا هذا واضحاً فيما يخص استراتيجية التحالف الدولي لقتال "داعش"، والذي طلب من تركيا أن تكون جزءاً منه، على الرغم من أن الاستراتيجية لا تلبي المخاوف التركية، ولا تأخذ ما تعتبره الحكومة التركية تهديداً بعين الاعتبار.

وفي الوقت، الذي لا يهم فيه التحالف سوى ضرب "داعش" بأية طريقة، تتنازع تركيا، وهي وريث السلطة العثمانية، الكثير من المشاعر ضد ما تعتبره حملات التصفية ضد المسلمين السنّة، التي ما زالت متواصلة منذ عام 2011، سواء في سورية أو العراق، بقيادة إيران وحلفائها في البلدين، إذ ترى أنقرة أنه لا بد من أن يُوضع النظام السوري، بقيادة بشار الأسد، على لائحة الأهداف كونه المسبّب الرئيسي والمباشر لكل ما يحصل.

كما تصاعد غضب واسع في صفوف أصحاب القرار في أنقرة، بعد تقديم واشنطن مساعدات عسكرية لقوات الحماية الشعبية، من دون أي اتفاق مسبق مع تركيا.

أما الشعب التركي، وعلى عكس دول حلف شمال الأطلسي الأخرى، أصبح ينفر بشكل متزايد من الحلف، تحديداً بعد حرب أفغانستان، وبالتالي، فإن السردية التقليدية التي تؤكد بأن الحلف لا غنى عنه بالنسبة إلى تركيا كضامن أساسي للأمن عبر أوروبا والأطلسي، بدأت تفقد جاذبيتها بالنسبة إلى معظم الأتراك.

وجاءت نتائج استطلاع الرأي، الذي أعلن عنه صندوق مارشال الألماني، والصادر في 10 سبتمبر/أيلول الماضي، لتؤكد النفور التركي من حلف شمال الأطلسي، إذ أظهر الاستطلاع أن أكثر من 45 في المائة من الأتراك يؤيدون علاقات مستقلّة مع كل من الصين والشرق الأوسط بعيداً عن التحالفات، كما أن معظمهم يؤيدون "سياسة خارجية مستقلة"، الأمر الذي لا بد من أن يثير قلق الحلف، لأنه يدل على أن الأتراك قد أصبحوا يعارضون السعي وراء التحالفات الدولية والتعاون مع الغرب.

المساهمون