نفوذ آل فتوش..معركة بيئية مع "ملوك الكسارات" في لبنان

بيروت
ثائر غندور
26 يوليو 2016
+ الخط -
يصر أهالي بلدة عين دارة اللبنانية، وعلى رأسهم رئيس البلدية فؤاد هيدموس، على مواجهة السعي المحموم لآل فتوش (بيار وموسى شقيقي النائب نقولا فتوش)، من أجل بناء مجمّع صناعي يضم معمل إسمنت، على مساحة مليون ومئتي ألف متر مربّع في حراج البلدة، وفي النطاق الجغرافي لمحميّة "أرز الشوف" وبالقرب من مجرى نهر الدامور، ما فجر نزاعا متناميا بين أهالي البلدة التابعة لقضاء عاليه، وآل فتوش الحاصلين على رخصة من وزارة الصناعة لبناء مجمّعهم الصناعي.

مخاوف هيدموس وأهالي بلدته تدعمها دراسة بيئيّة أعدتها شركة متخصصة لصالح البلديّة، إذ تُثبت الدراسة أن "المجمع الصناعي المنوي إنشاءه سيُحدث ضرراً بيئياً كبيراً، سواء من خلال ترسبات الغبار التي تؤثّر على صحة الانسان، أو على المياه الجوفية"، وفقا لما أكده رئيس البلدية لـ"العربي الجديد".

تجارب سيئة

يلفت هيدموس إلى أن لدى أهالي عين دارة "تجارب سيئة مع بيار فتوش، إذ يملك كسارات في المنطقة، ولا يحترم المرسوم التوجيهي للمقالع والكسارات".

ويعد بيار، شقيق النائب فتوش والأكثر نشاطاً في العائلة ويدير أعمالها، ويؤكّد هيدموس أن مجلس البلدية السابق رفض إعطاء رخصة إنشاء مجمّع صناعي لآل فتوش، وأنه من شروط إنشاء المعمل موافقة الأهالي. وعندما عمدت وزارة البيئة إلى الطلب من البلديّة لاستطلاع رأي الناس، أرسلت البلدية عريضة موقعة من الأهالي تعبر عن رفضهم لإنشاء المجمّع الصناعي، "لكن الوزارة تجاهلتها" بحسب هيدموس. هذا الأمر يدفع وكيل داخلية عاليه في الحزب التقدمي الاشتراكي، خضر غضبان، إلى التساؤل عن كيفيّة الحصول على موافقة وزارة البيئة.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الصحة اللبناني وائل أبو فاعور التقدّم بمراجعة لدى مجلس شورى الدولة للمطالبة بإبطال قرار إنشاء المصنع، "نظراً لأضراره البيئية والصحية"، كما قال أبو فاعور.

إلى هذا الحد، يبدو الموضوع عادياً. خلاف بين رجل أعمال وبلديّة على خلفيّة مشروع تعتقد البلديّة أنه يُمثّل خطراً على البيئة، لكن غضبان وهيدموس يوضحان لـ"العربي الجديد" أن الموضوع أبعد من ذلك، إذ يشير الرجلان إلى تقدم الأخوين فتوش بمذكرات قضائية بحقّ 25 شخصاً، ومن بينهم هيدموس وغضبان ورئيس بلدية قب الياس جهاد المعلم وأمين سر حركة "التجدد الديموقراطي" الدكتور أنطوان حداد، على خلفيّة مواقفهم من المشروع. ويرى هيدموس أن الدعاوى القانونيّة فارغة من أي مضمون، ولكن تُستخدم للترهيب. أما غضبان فيتخوّف من وجود ضغوط أو أكثر من ذلك على القضاء والأجهزة الأمنية.

ويؤكد غضبان أن سبب رفضه لإنشاء هذا المجمع الصناعي هو أضراره البيئيّة، مرجعاً مواقف آل فتوش إلى شراكتهم مع مقربين من النظام السوري وقناعتهم بأنهم لا يزالون يستطيعون العمل كما في السابق، ويتخوّف غضبان من معلومات غير مؤكدة وصلتهم، بأن آل فتوش قد يستخدمون الردم الذي سيُزال عند بدء عمليّة إعادة إعمار سورية في مرحلة لاحقة بصناعة الاسمنت، قائلا "إذا كان هذا الأمر صحيحا، توجد خطورة، نحن لا نعرف ما هي المواد الكيميائيّة التي استُخدمت في عمليات القصف، إن من قبل الجيش السوري أو الروسي".

فتح هذا الملف، وقبله محاولة سابقة لآل فتوش من أجل بناء مجمع صناعي في زحلة، الأعين على نفوذ العائلة المتنامي اقتصادياً وسياسياً، ووفقا لما وثقه معد التحقيق، فإن هذه العائلة تعد الوحيدة التي تملك منذ العام 1994 رخصاً للمقالع والكسارات، إذ تعمل باقي الكسارات وفقاً لمهلٍ إدارية تصدر عن وزارة الداخليّة. وعندما قررت الحكومة اللبنانيّة تنظيم استثمار المقالع والكسارات، وأعطت مهلاً إداريّة لإقفال الكسارات لمدة 27 شهراً كحدٍ أقصى لتفكيك المنشآت، تقدم نقولا فتوش بموجب وكالته القانونية عن شقيقه بيار فتوش بـ 37 مراجعة أمام مجلس شورى الدولة، وبحصيلتها حصل على حكم بالتعويض قيمته 218 مليون دولار أميركي، بالإضافة إلى الفوائد.


علاقات مع النظام السوري وحزب الله

إضافة إلى رخص الكسارات التي يشتكي أهالي البقاع من أنها غيّرت شكل سلسلة جبال لبنان الغربيّة، فإن آل فتوش يعدون شركاء ذو الهمة شاليش، وهو أحد أقرباء رئيس النظام السوري بشار الأسد، ومن المقربين منه، بحسب مصادر اقتصادية، وتؤكد المصادر أن هذه الشركة تطاول عدة أوجه، وعلى أساسها، فُتحت السوق السورية أمام مصنع الحديد الذي يملكه آل فتوش.

وانتخب نقولا فتوش نائبا بالبرلمان اللبناني منذ العام 1992، ويُعد فتوش من أهم قانوني المجلس، إذ تقدم بمشروعي قانون تمديد ولاية المجلس النيابي في مايو/أيار 2013 وأغسطس/آب 2014، وعلى أساسهما مددت ولاية المجلس مرتين، بمجموع ولاية كاملة.

واللافت في هذا السياق، أنه في ظلّ أشرس المعارك الانتخابية في لبنان بين فريقي 8 و14 آذار عام 2009، خاض نقولا فتوش الانتخابات ضمن لائحة 14 آذار، وهو الحليف المقرب من آل الأسد ومن حزب الله. وفي انتخابات 2016 البلديّة، دعم حزب الله لائحة موسى فتوش، الشقيق الثالث، إضافةً إلى دعمه مرشحي التيار الوطني الحرّ ومريام سكاف رئيسة "الكتلة الشعبية".

وفي العلاقة مع حزب الله، توجد قطبة مخفيّة. فلا أحد يعرف حقيقة هذه العلاقة. إذ تفترض مصادر معد التحقيق، وجود علاقة تجارية بين آل فتوش وبعض رجال الأعمال الذي يُمثلون مصالح حزب الله، ويستدلون على ذلك بسهولة حصول آل فتوش على الرخص من وزارة الصناعة، التي يتولاها الوزير حسين الحاج حسن ممثلاً حزب الله.

نفوذ لا ينتهي

يتمتع النائب والمحامي نقولا فتوش، بنفوذ واسع، ويستدل مراقبون على ذلك بواقعة اعتدائه على منال ضو الموظفة في قصر العدل في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2014، بعد رفضها إعطائه الأفضلية على غيره من المحامين.

نقابة المحامين امتصّت الغضب الشعبي حينها، بعد تسريب أخبار عن نيتها شطب فتوش من الجدول النقابي. لكنه مستمر بمزاولة عمله حتى اللحظة، ويُشير مصدر نقابي (رفض ذكر اسمه) إلى أن النقابة قد شطبته، فتقدم بطلب استئناف وربحه.

بعد نحو شهر، اعتدت مجموعة تابعة لفتوش، النائب، وشقيقه "رجل الأعمال"، بيار، على الزميلين يمنى فواز وسعد عيّاد، اللذين كان يُعدان تقريراً تلفزيونياً عن معمل قيد الإنشاء لآل فتوش، ومخصص لمواد البناء في مدينة زحلة، ولا تزال الدعاوى القانونية مستمرة في هذه القضية، كما تؤكّد فواز لـ"العربي الجديد". وقد توقف العمل بهذا المشروع، الذي يعتقد أهالي عين دارة أنه نُقل إلى بلدتهم.


آل فتوش يردون

من جهته، يقول بيار فتوش، في اتصال مع "العربي الجديد"، إنه "في ما يخص مشروع عين دارة، لدينا تراخيص بإنشاء مجمع صناعي منذ العام 1994". وينفي أن يكون المشروع قد انتقل من زحلة إلى عين دارة، كما ينفي ممارسة ضغوط سياسيّة على أهالي البلدة، ويتهم أهل البلدة بأنهم مأجورون يستخدمون الإعلام للتحريض على المشروع". كما أنّ لائحة النفي تطول عند بيار فتوش، إذ ينفي أيضاً أي علاقة أو ارتباطات مع أطراف في سورية.

لكنه يُضيف "لديّ مصالح فوق (في سورية) منذ 42 سنة"، ثم يُضيف "عيب الكلام عن العلاقة بيني وحزب الله وسورية" وقال إن الأمر "عمليّة ابتزاز من سياسيين يريدان حصة (تتحفظ العربي الجديد على اسميهما)". أما النائب نقولا فتوش فرفض الحديث، مبررا ذلك بأنه "مشغول".

قبل 300 عام، خيضت في بلدة عين دارة، واحدة من أهم المعارك التي كان لها الأثر في رسم تاريخ لبنان الحديث بين الدروز القيسيين واليمنيين، اليوم يخوض آل فتوش معركة مع أهالي عين دارة، تعد نموذجا لتداخل السياسة بالاقتصاد في لبنان، وسيكون لها أثر كبير، إذ يعتبر مراقبون أن ما يجري في عين دارة وقبلها زحلة، يعد تمهيدا لاستعدادات إعمار سورية الجارية في دول الجوار. فهل بدأت المعارك لاقتسام الحصص؟