نفق الرأسمالية مظلم: متى الفكاك؟

01 نوفمبر 2015
الصورة
الرأسمالية حل أم أزمة؟ (Getty)
تحوّلت الكتلة المالية المتراكمة في المصارف العالمية إلى النشاط في كل القطاعات التي هي "خارج الاقتصاد الحقيقي"، بمعنى أنها وجدت منافذ لها في المستوى المالي المعروف تاريخياً أو المخترع حديثاً "المشتقات المالية". لكن هذه العملية كانت تزيد من تراكم الأرباح، خصوصاً أن نسبة الربحية في كل هذه النشاطات هي أعلى كثيراً منها في كل قطاعات الاقتصاد الحقيقي (الصناعة، الزراعة، التجارة وحتى الخدمات). وهذا ما كان يدفع الرأسمال الموظف في قطاعات الاقتصاد الحقيقي إلى النزوح إلى هذه القطاعات. حيث نجد أن 90% من حركة المال اليومية تذهب في مجال المضاربات، بينما هناك 10% تذهب إلى الاقتصاد الحقيقي. 
وفي هذه العملية يجب أن نلحظ أن الأرباح تتصاعد في المضاربات بينما تبقى محدَّدة في الاقتصاد الحقيقي. ليتوضح بأن "رأسمالية مضاربات" هي التي باتت تسيطر على مجمل الأنماط الرأسمالية، هذه التي تُسمّى الطغم المالية، والتي باتت تتدخل في المسار العالمي بما يخدم توسّع كل العمليات خصوصاً البورصة والمضاربة والمشتقات المالية.

فقاعات مالية 

أصبحت المضاربات هي الأساس في النشاط الاقتصادي، تكون الرأسمالية قد دخلت في نفق مظلم. لقد تعفنت، وبات ينهشها مرض سرطاني. لأن المضاربات كما في أزمة 2008 تؤدي إلى نشوء فقاعات مالية سرعان ما تنفجر فتحدث انهياراً مالياً كبيراً ينعكس على الاقتصاد الحقيقي، يعني الصناعة والزراعة، كما ينعكس على كل العالم. حيث سيتصاعد انفجار الفقاعات المالية مع كل توسع في النشاط المالي، ويقود ذلك إلى تدمير مستمر في بنية الاقتصاد الحقيقي.
هذا الوضع بات يدخل الرأسمالية في أزمة كبيرة ... النمط الرأسمالي بات يُحكم من قبل طغم نشاطها الأساسي هو في المضاربات. وينعكس ذلك في الأطراف بتشكيل نخب طابعها مافياوي، أكثر من أنها تعمل في أحد فروع الاقتصاد الحقيقي (التجارة كما كانت بالأساس). لهذا وجدنا بعد الثورات العربية حين أردنا أن ندقق في طبيعة النظم الحاكمة أنها نخب مافياوية، حتى أنه بات يُطلق عليها "رأسمالية المحاسيب"، وأن الفئات المحيطة بمركز السلطة تنهب المجتمع والدولة وتراكم رأس المال، وتنهب أرض الدولة وشركات الدولة، وتنهب كل نشاط اقتصادي، وتحوّل الأراضي الزراعية إلى مدن من أجل المضاربات في مجال العقارات. الأمر يعني أننا انتقلنا من الشكل الرأسمالي التقليدي الذي كان يقوم على الإنتاج الصناعي أساساً إلى شكل تهيمن عليه الطغم.
لا شك، إن كل المسارات التي طرحت لتنشيط المال المتراكم نتيجة أن الولايات المتحدة الأميركية أصبحت المركز المالي الذي يستحوذ على الكتلة المالية الكبرى، من التعديل الجيني والمديونية والضغط على الدول المخلَّفة لتحرير الاقتصاد، إلى تسهيل الاستدانة محلياً. وإذا كانت قد عملت على تحرير عملتها، فقد أخذت، كذلك تعالج إشكالياتها عبر طباعة عملة دون مقابل ذهبي معتمدة كما أشرنا على هيمنتها على العالم، بالتالي عبر نهب العالم. ولقد أصبح الدولار هو العملة التي يقاس عليها الذهب، وأصبحت تطبع عملة بلا رصيد. وكلما كان يزداد العجز في الميزان التجاري كانت تقوم بطباعة المزيد من العملة. وكانت أيضاً تقوم بتعويض العجز عبر نهب الأموال النفطية، كما قامت بربط بيع النفط بالدولار.
إذ كانت الولايات المتحدة تفرض على دول الخليج كيف توزّع المداخيل النفطية، حيث فرضت إبقاء جزء أساسي منها في أميركا. مثلاً ما بين سنة 2002-2006 حسب بعض الدراسات كانت مداخيل النفط تبلغ حوالى تريليون ونصف دولار، كان تريليون منها يذهب إلى أميركا، سواء كشراء عقارات أو شركات أو وضع في المصارف. هذا الوضع الذي اتسم بتراكم مالي هائل انعكس داخلياً عبر ميل المصارف إلى السعي لتعميم الإقراض داخلياً من أجل "تحريك" هذا المال حتى لا يفقد قيمته. هذه القروض هي التي أدت لاحقاً إلى حدوث أزمة الرهن العقاري، بعدما تبيّن أن قيمتها هي أضخم كثيراً من القيمة الحقيقية للعقارات المستعادة، الأمر الذي عرّض المصارف إلى الإفلاس وحدوث الانهيار في 15 سبتمبر/أيلول 2008.
(كاتب وباحث فلسطيني)

اقرأ أيضاً:الاقتصاد العالمي في ورطة