نفقات عيد الفطر... الجزائريون يشكون من ارتفاع الأسعار

01 يونيو 2019
الصورة
المواطنون يشكون ارتفاع الأسعار (بلال بن سالم/ Getty)
+ الخط -
لم يدفع الحراك الشعبي، والذي انطلق في الجزائر قبل ثلاثة أشهر، المواطنين إلى هجر عاداتهم الاستهلاكية خاصة في المواسم الدينية. فمع اقتراب عيد الفطر، بدأت العائلات الجزائرية في تغيير البوصلة "الإنفاقية" نحو ثياب العيد ولوازم الحلويات، التي تكلف أصحاب الدخل المتوسط موازنة أخرى تثقل كاهل جيوبهم المنهكة بمصاريف شهر رمضان.

وما يزيد من مخاوف الجزائريين هو ارتفاع الأسعار هذه السنة مقارنة بالسنوات الماضية، من جراء تراجع الدينار الذي فقد قرابة 17 في المائة من قيمته منذ بداية الحراك، ليتواصل انزلاق العملة الجزائرية الذي بدأ قبل سنوات جراء انتهاج الحكومة الجزائرية سياسة كبح الواردات.

أسعار الثياب

في شارع "ديدوش مراد"، أكبر شوارع العاصمة الجزائرية، يبدأ توافد العائلات إلى محلات بيع ألبسة الأطفال بعد الإفطار، ويتواصل حتى ساعة متأخرة من الليل، علها تظفر هذا العام بثياب العيد بسعر مقبول.

يقول المواطن علي محمد إن "الأسعار مرتفعة هذه السنة، فثياب الولد مثلاً لا تقل عن 10 آلاف دينار (90 دولاراً)، وكذا ثياب البنات. نحن نتحدث عن 20 ألف دينار (180 دولاراً) كسعر أدنى، في وقت لا يتعدى متوسط أجور الجزائريين 30 ألف دينار (270 دولاراً).

ويسأل: "هل يكفي المبلغ المتبقي من الراتب لإكمال الشهر، وهذا دون احتساب تكاليف حلويات العيد التي لا تقل عن 5 آلاف دينار (45 دولاراً)". ويضيف المتحدث ذاته لـ "العربي الجديد"، أن "رواتبنا لم تعد تصمد أمام غلاء المعيشة وتوالي المناسبات والالتزامات الموسمية".

وتسببت المصاريف الكثيرة التي أنفقتها العائلات خلال شهر رمضان في لجوء البعض منها إلى اقتراض بعض الأموال من الأهل والأصدقاء، من أجل إكمال الأيام الأخيرة من رمضان وشراء ثياب العيد لأطفالها والمواد الخاصة بحلويات العيد، فيما فضل بعض النساء وربات البيوت اختيار حل آخر وهو رهن مصوغاتهن الذهبية في البنوك لمساعدة أزواجهن على المصاريف المتعددة التي أثقلت كاهلهم.

يأتي ذلك، في ظل معاناة أصحاب الدخل الضعيف الأمرّين هذه الأيام، بسبب استحالة توفير المال اللازم لتغطية مصاريف العيد وارتفاع أسعار ملابس الأطفال من جهة وإنفاقهم جميع مدخراتهم خلال شهر رمضان من جهة أخرى.

وهو حال أم آدم وهي ربة بيت كشفت لـ "العربي الجديد" أنها رهنت بعض مجوهراتها من أجل اقتراض مبلغ مالي يعيل زوجها الذي رفضت المؤسسة التي يعمل فيها منحه قرضا صغيرا يُقتطع من راتبه شهرياً، وتضيف المواطنة قائلة: "مصاريف رمضان التهمت كل ميزانية البيت، ولا يمكن أن أترك أبنائي الثلاثة دون ثياب وأحرمهم من فرحة العيد، المعيشة أصبحت تكوي جيوب الجزائريين".

تأثير سعر الصرف

من جانبهم، التجار يبرئون ذمتهم من غلاء الأسعار، التي يعتبرون أنها تحصيل حاصل لما تعيشه الجزائر، وعملتها "الدينار" من تدهور في القيمة، وهو ما أثر على المعروض هذه السنة من حيث السعر.

ويقول عبد الغني عبدوسي، تاجر ملابس أطفال ونساء في سوق "الساعات الثلاث" في الجزائر العاصمة، إن "أسعار الملابس في العام الماضي كانت معقولة، أما هذه السنة فقد التهبت بنسبة تزيد أحيانا عن 150 في المائة، وهو ما لم يضرّ العائلات فحسب، بل أضر حتى التجار".

ويوضح هذه النقطة لـ "العربي الجديد" قائلاً: "في السابق كنا ننفق مثلاً 150 ألف دينار (نحو 1100 دولار) وهو مبلغ كان يكفينا لشراء كمية معتبرة من الملابس لعرضها أمام المستهلكين، والآن ننفق أكثر من 500 ألف دينار (4100 دولار) دون أن نشعر بأننا قد اشترينا شيئاً مهماً".

ويرجع عبدوسي السبب إلى "تراجع قيمة الدينار أمام الدولار واليورو، وارتفاع الرسوم على استيراد الملابس خلافاً للسنوات الماضية، علماً أن أغلب المستوردين يقومون بجلب سلعهم من الصين وتايلاند وتركيا".

ويكاد الشارع الجزائري يتفق على أن التحديات المالية أصبحت أكثر ضخامة بالنسبة للأسر، وتبدأ من دخول شهر رمضان ثم الإجازة الصيفية وبعدها عيد الأضحى وأخيرا العودة إلى المدارس.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت النفقات المتزايدة تشكل عبئاً ثقيلاً، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع التضخم الذي يستنزف جيوب المستهلكين. واقعٌ دفع الكثيرين للاتجاه نحو الاقتراض، واتباع سياسة الادخار المسبق، وخفض الدفعات الشهرية إلى نسب كبيرة جداً، في محاولات متواصلة لتقليص الضغوط المالية المتزايدة.

تغيير الأولويات

ويقول الخبير الاقتصادي قاسم بن حموري إن "تزايد المناسبات في آن واحد جعل الجزائريين يعيدون ترتيب أولوياتهم، وتوزيع احتياجاتهم للوفاء بكل منها بحسب الأهمية، تجنبا لتحمل المزيد من الديون، التي تراكمت على العديد من الأسر الجزائرية".

ويضيف بن حموري لـ "العربي الجديد"، أن "العديد من الأسر لم تعد الألبسة الجديدة أولوية لها في كل عيد، في ظل ارتفاع النفقات وتوزعها على سداد أقساط الإيجار وفواتير الكهرباء والماء دوريا، هذا من دون الحديث عن المصاريف اليومية، وتلك الاستثنائية والطارئة".

من جانبه، كشف رئيس الجمعية الجزائرية للتجار والحرفيين الجزائريين، الحاج الطاهر بولنوار، عن قيمة نفقات الأسر الجزائرية على كسوة العيد ومستلزماته، حيث قدرها بما يعادل 3 مليارات دينار (300 مليون دولار) على ملابس العيد ومواد صنع الحلويات.

وتواجه ميزانية الأسر في البلاد سيناريو السنوات الماضية ذاته، حيث يتزايد الضغط عليها خلال الأيام المقبلة مع اقتراب عيد الفطر، بعدما أنفقت الكثير على مصاريف رمضان، بانتظار موسم العطل وعيد الأضحى الذي تحضر له العائلات الجزائرية مُسبقا نظرا لغلاء أسعار الأضاحي.

ويضيف بلنوار لـ "العربي الجديد" أن "الكثير من المعطيات تغيرت هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية، فمثلا مستلزمات حلويات العيد، على غرار المكسرات، تشهد ارتفاعا كبيرا في الأسعار هذه السنة، حيث قاربت نسبته الـ 50 في المائة، من جراء إخضاع عملية استيرادها للرسم الجمركي الوقائي الذي وصل في بعض المواد إلى 300 في المائة، ويضاف إلى كل هذا انخفاض قيمة الدينار المحلي مقارنة بالعملات الأجنبية.

ويعترف رئيس الجمعية الجزائرية للتجار والحرفيين بأن "سلوك الجزائريين الاستهلاكي قد تغير كثيرا، وفق دراسات واستطلاعات للرأي قامت بها الجمعية مع التجار والمواطنين، حيث قلت مظاهر التبذير في شهر رمضان، من جراء خفض "الإنفاق السخي" بفعل الأزمة المالية التي قلصت قيمة الدينار وأثرت سلباً بطبيعة الحال على القدرة الشرائية للمواطن الجزائري".

المساهمون