نعم للانتخابات

03 سبتمبر 2019
الصورة
يجب أن تكون الانتخابات بوابة لحل (بلال بن سالم/Getty)
الانتخابات في الجزائر هي الحل. نعم، وكل من يقول غير ذلك لا يؤمن بروح الديمقراطية، والصندوق هو المطاف، والشعب هو السيد بحق، والصوت أمانة من يملك لمن يستحق، والمنصب لمن يحصل على التفويض الشعبي، والديمقراطية الانتخابية هي العرس الأقل كلفة بالنسبة للشعب والبلد. ليس هناك مغالبة على هذه القضايا المركزية. لكن المسألة ليست مسألة شعارات، ولا حتى موعد انتخابات أو شكل صندوق الاقتراع، أو نقل التنظيم إلى هيئة مستقلة، وليست حتى في قانون الانتخابات الذي يحتوي على كل ضمانة، لكنه لم يحمِ أصوات الناخبين أبداً في السابق. العقدة كلها في مدى توفر إرادة سياسية حقيقية للقطيعة مع عهد الوصاية والتلاعب السياسي، ومع تزوير باسم المصلحة الوطنية، واستخدام مُقدرات الدولة لصناعة مشهد انتخابي غير حقيقي.

الانتخابات مثل الحج. تستطيع أن تسافر إلى البقاع المقدسة وتتحمل المشاق شكلاً وتنفق من مقدراتك المالية، وتقيم الوليمة وتظهر للجيران فرحك، لكن كل ذلك يصبح بلا معنى في حال لم تحضر النيّة، ولم تصدق الإرادة على مستوى الذات. تنطبق هذه التفاصيل على الانتخابات، التي كانت دائماً في قلب الكفاح الديمقراطي، كوسيلة للتغيير وتحقيق التمثيل الشعبي. ثمة مثل شعبي في الجزائر يقول "عرس يوم تدبيره سنة". وبمنطق الأشياء، فإن الانتخابات كعرس جماعي مشترك، خصوصاً في ظرف استثنائي، يستحق تدبيراً زمنياً مناسباً، ليس سنة بالضرورة، والذهاب إلى الانتخابات في ظل أوسع إجماع وطني وأكبر هامش من التوافقات الممكنة على ترتيباتها، هي الضمانة الوحيدة لأن تكون الانتخابات بوابة حل، وليست عربة لترحيل مؤقت للأزمة أو مدخلاً لمأزق.

التاريخ يعيد نفسه، إلا في بعض التفاصيل، ومع فارق السياقات والفواعل. في العام 1995 ذهب الجزائريون أيضاً إلى الصندوق في أعقاب حوار تولت السلطة فرض شكله وأجندته وتفاصيله. وفي ظل أزمة مؤسساتية وعنف سياسي، تزامنت حملة دعائية قاسية كانت تشنها وسائل الدعاية الرسمية على العقلاء السياسيين، (الراحلين عبد الحميد مهري وحسين آيت أحمد وأحمد بن بلة وعلي يحيى عبد النور على سبيل المثال)، تتهمهم بالخيانة والعمالة وصناعة الفتنة، فإن تلك الانتخابات حلت أزمة الشرعية بالنسبة للسلطة لكنها لم تحل أزمة البلد، وبعد ثلاث سنوات فقط رمى الرئيس المنتخب المنشفة.

الدرس الأول الذي يمكن استخلاصه من تلك التجربة، أن الانتخابات في ظروف الأزمة لا يمكن أن تُمثل وحدها الحل كآلية لانتخاب رئيس أو مؤسسة حاكمة، في حال لم يسبقها توفير حزام سياسي ومدني، والسعي لتحقيق إجماع حقيقي في الواقع السياسي وليس في التلفزيون الرسمي، وتدار التفاهمات والتوافقات الوطنية على ترتيباتها التنظيمية والسياسية، ويسبقها فتح مجالات النقاش والحق في التنظيم واسعاً، وإتاحة حرية التعبير عن الفكرة السياسية من دون تضييق. الدرس الثاني أنه، وفي مجمل المحطات التي تدخّل فيها "العقل الثكني" في التسعينيات لفرض مسارات محددة باسم المصلحة الوطنية، كانقلاب يناير/كانون الثاني 1992، أو استحقاقات سياسية وانتخابية وما أكثرها، من دون أن يسمح للعقلانية السياسية بلعب دورها، لم يُكتب النجاح الوطني أبداً لهذه المسارات والاستحقاقات. وبخلاف ذلك، تثبت الوقائع أنه بعد كل مسار فرضته السلطة على أساس أنه حل ومصلحة وطنية وبإشاعة خطاب تبريري، كان يتم إعطاب الحياة السياسية لاحقاً والدخول في مأزق أكثر تعقيداً.