نظرة الأحزاب الإسرائيلية إلى القضية الفلسطينية (1-2)

08 ابريل 2019
الصورة

أبرز قادة الأحزاب والمرشحين لانتخابات الكنيست (5/4/2019/ فرانس برس)

تجري انتخابات الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي الحادية والعشرين غداً (9/4/2019)، وهي انتخابات مبكرة، تنتظم قبل موعدها بنحو سبعة أشهر، وجاءت بعد حل الحكومة الرابعة والثلاثين، والتي ترأسها زعيم الليكود، نتنياهو، نحو أربع سنوات، ويشارك في هذه الانتخابات أكثر من 40 قائمة انتخابية، وهو عدد قوائم أعلى بكثير مما كان في الانتخابات التي جرت في العقد الماضي.
بالنسبة للأحزاب اليهودية، فإن نحو عشرة أحزاب فقط تتجاوز نسبة الحسم عادة، وتمثل دراسة توجهات هذه الأحزاب أمراً ضرورياً، كونها تعبر أولاً عن توجهات الجمهور الإسرائيلي، وكونها قد تشكل لاحقاً الحكومة التي تتحدد سياستها من تفاعل توجهات الأحزاب المشكلة لها.
ثمة جدل في تقسيم المعسكرات داخل إسرائيل، وتصنيف كل حزب. وستعتمد هذه المطالعة تقسيماً مرتبطاً بموقف كل حزب من المسألة الفلسطينية، فالأحزاب الأقرب إلى تبنّي صيغة حل الدولتين، أو صيغة قريبة منها، سيتم تصنيفها ضمن معسكر الوسط - يسار، أما الأحزاب الرافضة هذا الحل فستصنف ضمن معسكر اليمين، من دون اعتبار للسياسات الاقتصادية - الاجتماعية التي يتبنّاها كل حزب.

الوسط - يسار: كيف نمنع الدولة الواحدة؟
تقع في هذا المعسكر الأحزاب التي ترى مصلحة إسرائيل أن تكون دولة ديمقراطية بأغلبية 
يهودية حاسمة (20 - 80%)، وترى في ذلك مصلحة أهم من الاحتفاظ بكل "أرض إسرائيل"، ويضم أحزاب ميرتس والعمل، والحزب الجديد أزرق أبيض. يدعم "ميرتس" تقليدياً حل الدولتين، وقد التقت رئيسته، تمار زاندبرغ، رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مطلع مارس/ آذار الماضي، وأكدت على ضرورة وجود مفاوضاتٍ تفضي إلى حل دولتين. أما حزب العمل الذي كان زعيم قاطرة التسوية في الملف الفلسطيني، فهو، على الرغم من محاولاته الانزياح يميناً، إلا أن مواقفه التقليدية، حتى خلال هذه الانتخابات، تؤكد على ضرورة "الفصل بين الشعبين"، والعمل على إيجاد أجواء يمكن أن تؤدي إلى حل الدولتين لاحقاً، وقد كرّر زعيم الحزب في العام الماضي دعوته إلى "إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، والتخلي عن المستوطنات النائية في الضفة الغربية".

أزرق أبيض.. رؤى متعدّدة
لا يمكن تحديد وجهة حزب أزرق أبيض، من دون تفكيكه إلى مكوناته الأساسية. يتكون من ثلاثة مكونات رئيسة، الأول حزب منعة إسرائيل الذي شكله مطلع العام الحالي (2019) بيني غانتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق (2011-2015)، ويمكن أن يلحق به شخصية غابي أشكنازي، وهو رئيس أركان سابق أيضاً (2007-2011)، وحزب تيلم الذي شكله رئيس أركان سابق أيضاً (2002-2005) موشيه يعلون، ووزير الدفاع السابق (2013-2016)، وهو ما دفع بعضهم إلى تسميته حزب الجنرالات، المتباهين بخدمة عسكرية تصل إلى 117 عاماً، أما المكون الثالث فهو يش عتيد الذي يترأسه يائير لبيد منذ إنشائه عام 2013.
في خطابه الأول الذي دشن فيه حملته الانتخابية أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي، حاول غانتس ألا يكشف بوضوح موقفه من التسوية السياسية، ومن فكرة حل الدولتين، إذ كان معنياً بإعطاء صورةٍ عن نفسه بأنه رجل الأمن الذي لا يمكن أن يفرّط بسيادة إسرائيل، في محاولة لنزع صفة "سيد أمن" عن نتنياهو، مستعيناً بخلفيته المهنية إذ كان رئيس أركان.
وبالتعمق في الخطاب، يمكن استكشاف توجهات غانتس: "إذا اتضح أنه لا توجد طريق للتوصل إلى سلام، سوف نبلور واقعاً جديداً، نحصّن مكانة إسرائيل دولة قوية ويهودية
 وديمقراطية، ونعزّز الكتل الاستيطانية، وهضبة الجولان التي لن ننسحب منها أبداً، وسيبقى غور الأردن حدودنا الأمنية الشرقية، وسنحتفظ بالأمن بيدنا بأرض إسرائيل كلها، لكن لن نسمح لملايين الفلسطينيين الذين يسكنون خلف الجدار العازل بأن يشكلوا خطراً على أمننا وهويتنا كدولة يهودية، والقدس الموحدة ستبنى وتنمو وتبقى عاصمة الشعب اليهودي وعاصمة إسرائيل إلى الأبد".
ثمة تركيز من غانتس على الكتل الاستيطانية (مفهوم غائم تتراوح مساحتها بين 7 و10% من مساحة الضفة الغربية)، وليس دعم الاستيطان بشكل عام، كما أنه ينظر إلى جدار الفصل العازل (العنصري) بأنه أشبه ما يكون لحدود سياسية، لن يقبل حزبه أن يضم الفلسطينيين شرقه، خوفاً من تحول إسرائيل إلى دولة واحدة. وقد دعم أشكنازي هذا المعنى، حين تحدث عن ضرورة وضع محدّدات لحدود إسرائيل، وتحدث عن الجدار العازل حدا ممكنا. كما أن غانتس أشاد، في خطابه، بالخطاب الذي ألقاه نتنياهو بداية ولايته الثانية عام 2009، وتضمن الاستعداد لتبني مبدأ حل الدولتين.
ينطلق الجنرالان من حقيقة أن من غير الممكن استمرار الجيش في السيطرة على الضفة الغربية كلها بالشكل القائم، بسبب انخفاض التجنيد، وتفرغ جزء كبير من جيش العدو لمزاولة مهام الأمن الجاري في الضفة الغربية (نحو 40% تقليدياً، فيما ارتفع في هبة القدس أواخر 2015-بدايات 2016 إلى نحو 60%)، وهو ما يقلص من قدرته على الاستعداد للجبهات الشمالية والجنوبية، فضلاً عن عدم اعتبار فئة أساسية من مجتمع العدو الضفة الغربية منطقةً ينبغي الموت من أجلها، كونها لا تشكل جزءاً من "البيت".
في مقابل هذين العاملين، تبرز التداعيات السيئة للانسحابات أحادية الجانب التي نفذها الجيش في غزة وجنوب لبنان، وأسفرت عن سيطرة حركات المقاومة على تلك المناطق، وتشكيل كل منها جبهةً ضد إسرائيل بعشرات الآلاف من المقاتلين. ولذلك، يركز الحزب على ضرورة
 الإمساك بالأمن، وعدم التخلي عنه، حتى في حال اعتماد الجدار حداً سياسياً، أو في حال إخلاء المستوطنات شرق الجدار، وذلك لنزع الخوف من إمكانية تحول الضفة الغربية إلى جبهة ثالثة قريبة للغاية من مركز الدولة الصهيونية.
لا يبتعد حزب يش عتيد عن هذه الرؤية، فالحزب يركز على الكتل الاستيطانية، ويرفض بشكل واضح فكرة ضم الضفة الغربية كلها، أو ضم منطقة سي مثلاً، بل إن المنظِّر الاستراتيجي الأساسي للحزب، عوفر شيلح، يتحدث بشكل أوضح عن ضرورة تبنّي حل الدولتين، كونه الوسيلة الوحيدة لمنع الدولة الواحدة، ولتحقيق اختراق في المنطقة العربية، إذ إنه لا "تذكرة دخول" لهذه المنطقة إلا عبر تسوية المسألة الفلسطينية بشكلٍ يمكن للفلسطينيين قبوله.
بيد أن المكون الثالث في القائمة، موشيه يعلون وحزبه تيلم، ليس قريباً من هذه الرؤية، فيعلون يدعم الاستيطان بشكل عام، ويرى ضرورة تشكيل دولة واحدة بنظامين، نظام يضم العرب بما فيهم عرب 48، ونظام خاص لليهود، كما ذكر ذلك في كتابه "طريق طويلة قصيرة".
ولا يمكن لهذا المعسكر أن يشكل الحكومة وحده، لا في انتخابات اليوم، ولا في أية انتخابات لاحقة، ولكنه يعبر عن جزء أساسي من المجتمع الإسرائيلي الذي يخشى الدولة الواحدة، ولا يرى في الضفة الغربية أرضاً تستحق الموت من أجلها، ويرى من الأفضل التخلي عن أجزاء واسعة منها لصالح ترسيخ دولة يهودية بأغلبية حاسمة.

اليمين: أي شكل من الضم؟
يضم معسكر اليمين كل الأحزاب التي تجعل مبدأ "أرض إسرائيل" ذا قيمة أعلى من مبدأ دولة ديمقراطية بأغلبية يهودية حاسمة، فهي ترفض الانسحاب من الضفة الغربية، وترفض تفكيك الاستيطان، بل وتدعو إلى تعزيزه، وليس فقط الكتل الاستيطانية، كما تدعو إلى ضم الضفة 
الغربية بدرجات متفاوتة. يقف "الليكود" في مقدمة هذا المعسكر، وتبنى تاريخياً موقف الضد من أي انسحاب داخل فلسطين التاريخية، بل إنه (سلفه حيروت بالأدق) لم يتخلّ عن اعتبار الضفة الشرقية لنهر الأردن جزءاً من إسرائيل إلا أواسط الستينيات، كما رفض فكرة الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، وهو ما اضطر أرئيل شارون إلى الانسحاب من الحزب، وتشكيل حزب كاديما. وأواخر عام 2017، تبنى "مركز الليكود" ضم الضفة الغربية لإسرائيل، والعمل على تشريع ذلك في الكنيست، ويضم المركز كل قادة الليكود، ووزراءه، ونوابه، وأهم كوادره، وهو موقفٌ يعبر، بشكل ما، عن توجهات نتنياهو.
كان نتنياهو قد حاول الالتفاف على الضغوط الأميركية، وأعلن التزامه بحل الدولتين، أواسط عام 2009، في خطابه في جامعة بار إيلان، ولكنه عمل على إفشال خطة وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، عام 2014، وأكد، عشية انتخابات الكنيست العشرين، رفضه إقامة دولة فلسطينية. فعلياً، لم يكن ذلك الخطاب سوى مناورة من نتنياهو، وكما يؤكد المقرّبون منه في ذلك الوقت، ومنهم جدعون ساعر، أنه لولا وجود أوباما في البيت الأبيض، لما قام بهذه المبادرة. وخلال الحملة الانتخابية الحالية، تزخر تصريحات قادة "الليكود" برفض إقامة الدولة الفلسطينية، والتأكيد على إقامة حكومة يمين، لن تسمح بتقسيم القدس، ولا بالانسحاب من الضفة الغربية، إذا ما تضمنت خطة ترامب شيئاً بهذا الخصوص.
يعد موقف حزب كولانو موقفاً قريباً للغاية من "الليكود"، فزعيم الحزب، موشيه كحلون، لم يخرج من "الليكود" إلا لأسباب شخصية متعلقة بسلوك نتنياهو تجاه الصاعدين، وكان من مجموعة المتمردين على شارون، والرافضين الانسحاب من قطاع غزة. كان هذا الحزب قد اقترح ضم الكتل الاستيطانية لإسرائيل، مطلع عام 2018، خطوة أولى، ومن ثم التفاوض مع السلطة بخصوص باقي الاستيطان، ويمكن قول الشيء نفسه فيما يخص كتلتي الحريديم، شاس ويهودوت هتوراة، فقد حسمت وجهتها اليمينية منذ زمن طويل، وهي تتبنّى مواقف يمينية أقرب إلى مواقف الليكود.
أما أحزاب أقصى اليمين فيمثلها في هذه الانتخابات حزبان: الائتلاف التقليدي الذي يضم البيت اليهودي والاتحاد القومي، وانضم إليهم هذه المرة حزب عوتسما إسرائيل، والذي يخسر الانتخابات عادة بسبب عدم تجاوزه نسبة الحسم، وحزب اليمين الجديد الذي شكله الزعيمان السابقان لحزب البيت اليهودي، نفتالي بينيت وإيليت شكيد. وتدعو جميع هذه الأحزاب بوضوح إلى ضم الضفة الغربية، وهي تحصل عادة على معظم أصوات مستوطنات شرق الجدار، على عكس مستوطنات غرب الجدار التي ينافسها فيها "الليكود" بقوة، ويتبنّى حزب اليمين الجديد
 صيغة لضم منطقة سي، وهي تعني عملياً ضم الضفة الغربية.
ينفرد زعيم حزب إسرائيل بيتنا، أفيغدور ليبرمان، بمقاربته الخاصة، والتي تدعو إلى ضرورة تبادل الأراضي والسكان، بحيث يتم نقل مدن المثلث الفلسطيني في الداخل المحتل إلى الكيان الفلسطيني الذي سيكون كياناً أقل من دولة، حسب هذا الحزب.

الخلاصة
ثمّة اتفاق بين معظم الأحزاب على بعض الخطوط؛ مثل: القدس الموحدة، والوجود في غور الأردن، والبقاء في الكتل الاستيطانية وتعزيزها، ومنع حق العودة، ولكن الخلاف يبقى بشأن كيفية التعامل مع المساحة الأوسع من الضفة الغربية، ففيما يسعى بعضهم إلى ضم الضفة الغربية كلها، أو ضم مناطق سي (أي ضم الضفة عملياً، فمنطقة سي هي البساط الأساس، تتخللها بقع مناطق أ و ب)، وإقامة حكم ذاتي على 40%، فيما تبدي أحزابٌ أخرى استعداداً للتخلي عن غالبية الضفة بدون الكتل الاستيطانية (93%).
من الواضح وجود إنكار لمعظم حقوق الشعب الفلسطيني لدى هذه الأحزاب، وعدم استعدادها للوصول إلى تسويةٍ مقبولةٍ حتى لدى السلطة الفلسطينية، ويظل الرهان قائماً على الفعل المقاوم، الذي في وسعه أن يفرض معادلات مختلفة على الأرض، وفي عقل النخبة الصهيونية، كما حدث ذلك خلال الانتفاضة الثانية، حين تغير تفكير جزء من النخبة، بما فيها نخبة اليمين، ما دفعها إلى الانسحاب من قطاع غزة، وبلور استعداداً لديها لإخلاء أجزاء واسعة من الضفة الغربية حينها، كما تجلى ذلك في خطة الانطواء التي تبنتها حكومة إيهود أولمرت (2006 -2009).
تعليق:
avata
عبد الحميد صبرة وحمزة أبو شنب