نظام يخنق نفسه

08 مارس 2017
الصورة
الأزمات تحيط الشعب من كل اتجاه (Getty)
+ الخط -
لم يعد لدى المصريين قدرة على التحمل والصبر، فصبرهم نفد أو قارب على النفاد، ويبدو أن صوت الرصاص والاعتقالات وظلام وغياهب السجون والتخويف لم تعد تخيفهم، ولذا خرجوا أمس في مظاهرات عفوية أطلق عليها البعض اسم "انتفاضة الخبز" اعتراضاً على قرارات حكومية مستفزة تقضي بخفض كمية الخبز المخصص للسلع التموينية والمخابز.

ومع الضربات المتلاحقة والعنيفة بات المواطن لا يلتقط أنفاسه لحظة، فهو على موعد مستمر مع غلاء الأسعار تارة، واختفاء السلع الضرورية تارة أخرى، وتدني الخدمات المعيشية تارة ثالثة.

وعلى مدى ما يقرب من أربع سنوات دخل المواطن في سباق عنيف مع الأسعار والغلاء، فقد زادت أسعار الأرز والسكر والأدوية والزيوت والسجائر والبنزين والسولار والملابس والنقل بمعدلات غير مسبوقة، كما زادت أسعار فواتير الكهرباء والمياه وغاز الطهي، ومعها زادت الضرائب والجمارك والرسوم، وقيود الاستيراد وخنق السوق.

ومع تعويم الجنيه مقابل الدولار خسر المواطن نصف تحويشة عمره في غمضة عين وتآكلت مدخراته، والنتيجة النهائية خسائر مستمرة للغالبية العظمى من المصريين في هذا السباق غير المتكافئ.

وبات المواطن ليس له أمل في الحاضر ولا أقول المستقبل، بعد أن صور له النظام أن بلده فقيرة "أوي أوي أوي"، وأنه لا يوجد بارقة أمل في توقف قطار ارتفاع الأسعار المستمر وكبح جماح التضخم في المستقبل القريب، وهو القطار الذي يدهس الملايين، خاصة مع التعهدات التي قطعتها الحكومة لصندوق النقد الدولي بزيادة أسعار الكهرباء والوقود والمياه والمرافق في شهر يوليو القادم للحصول على الشريحة الثانية من قرض الصندوق البالغ قيمتها 1.25 مليار دولار.

حتى الدولار الذي بشر كبار المسؤولين بتراجعه بشكل حاد في حفلة كبيرة جرت قبل أقل من شهر عاد للارتفاع وبقوة أكبر، كما أن وعود خفض الأسعار خلال 6 أشهر ربما تتحول إلى سراب كبير، كما تبددت الآمال في جني ما سمته الجهات الرسمية بثمار قرار تعويم الجنيه مقابل الدولار، وباتت الأماني المتعلقة بعودة الاستثمارات الأجنبية وتعافي قطاع السياحة في القريب العاجل أقرب للسراب، وبات الحديث عن مجرد المحافظة على إيرادات قناة السويس يجري على خجل.

ببساطة فقد المواطن المصري كل شيء ولم يعد قادراً على التحمل، ولذا خرج في مظاهرات عفوية عندما فاض به الكيل، وبات الموت عنده يتساوى مع الحياة، خاصة مع تفاقم أزمات الفقر والبطالة والفساد، وانحدار الطبقة المتوسطة سريعا نحو الطبقة الفقيرة، وبلوغ معدل الفقر المدقع 45% بشهادة وزير التنمية المحلية الجديد.

ما حدث أمس هو جرس إنذار كبير يجب على السلطات الحاكمة في مصر التنبه له، فإما الإصرار على تطبيق قرارات استفزازية تضغط على الفقراء، وبذلك يكرر النظام تجربة مبارك التي قامت عليها ثورة 25 يناير، وإما التنازل عن تعهداته لصندوق النقد وعن إجراءاته التقشفية العنيفة، وهو ما قد يعطي قوة لرجل الشارع في أن يخرج للتظاهر وبكثافة عند أول قرار بزيادة الأسعار.

لقد وضع النظام نفسه في مأزق وبدائل كلها مُرة.