نظام مستبد عادل

04 يناير 2016
الصورة
الأنظمة العسكرية في مصر(خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -
رغم ترسخ ظاهرة تزاوج الفساد والاستبداد السياسي، إلا أن هناك من يدعي ويروج للعديد من الأفكار، منها أن بعض النظم المستبدة قد تتصف بالنزاهة. هؤلاء يربطون بين مكون النظام العسكري وبين النزاهة وتراجع نسب الفساد.
وينطلق هذا الرأي الساذج أو المخادع من تحليل أنه من بنى الدولة ومؤسساتها فاسد، ولذا من المقبول أن تستبدل كل مؤسسات الدولة الفاسدة بأحد مكونات النظام الأكثر انضباطاً وحزماً وأقل فساداً. وهنا هم يقصدون بلا مواربة استبدال المكون الأمني والعسكري للنظام بمؤسسات الدولة لتسيطر وتدير كل شيء.
هذا التصور الساذج أو المخادع يُبنى على تجاهل أسباب نشأة الفساد والمستفيدين منه. يتم تجاهل أن النظام بمكوناته المتعددة يستفيد من إنتاج وتدوير الفساد، وأن المؤسسات التي تحمي الفاسدين لا يمكن أن تكون نزيهة لأنها سخرت نفسها ضمن التحالف الحاكم للقيام بهذا الدور وهو حماية الفساد. كما أنها وبما تمتلكه من سطوة وهيمنة تمثل موضع القلب للطبقة الحاكمة التي توسعت، وطال حكمها عبر ترابط الفساد والاستبداد.
سقطت أطروحات من يدعي وجود نظم مستبدة لكنها غير فاسدة، بمجرد طرح السؤال البديهي لماذا تستبد النظم وتمارس القمع ضد معارضيها؟ أليس أحد أبرز مستهدفات تلك النظم هو الحفاظ على بقائها في السلطة واستحواذها على الثروات؟ لماذا يستبد بعضهم، إن لم يكونوا لصوصاً؟ ولماذا يخافون حين يقفلون باب الحريات ويصادرون الحراك في المجال العام؟ لماذا يشن النظام المصري حملات التشوية الآن؟ تلك الحملات التي تمثل اغتيالاً برصاص الفضيحة. من البديهي أن تكون الحملة ضد المعارضين دائماً، ولكنها الآن تطاول المؤيدين أحياناً. وكأن المعادلة قم بتشويه المؤيد، فيخف المعارض. تشتد موجة الحملات ضد المؤيدين المتململين من بؤس الأوضاع الاقتصادية، فيتم اصطياد المؤيدين للنظام خصوصاً إذا تم تغيير نغمة التأييد. إن الهجوم على المخرج خالد يوسف ومحاولات تشويهه تأتي في السياق ذاته.
حين هاجم وزير القوى العاملة السابق كمال أبو عيطة الفساد، وطالب بتشغيل المصانع المتوقفة، وهو من أقطاب الناصرية التي أيدت النظام تحت تصور ساذج بأن النظام المصري بعد 30 يونيو، سيعيد أمجاد الناصرية، وبالتالي ستشهد مصر نظاماً تحررياً سيواجه الفساد والتبعية، ويكمل أهداف الثورة الوطنية المتمثلة في الديمقراطية والعدالة والتحرر، فإن القوى المهيمنة اقتصادياً وسياسياً لم تنس أن الأخير يعتبر من قادة الاحتجاجات العمالية قبل ثورة يناير، ويعتبر أحد رموز الحركة الاحتجاجية التي أسقطت مبارك، ولذا فإن تشويه صورته يأتي في إطار حملات التشويه التي يقودها النظام.
في المقابل، لا يثير تفكير مروجي النظام مدى التناقض في رفع الحظر على أموال أبناء مبارك وحاشيته، وبين مصادرة أموال لاعب كرة القدم الشهير محمد أبو تريكة، فقط لأنه عارض السلطة. ولذا فإن مؤيدي النظام بدعوى محاربته للفساد عليهم أن يخبرونا عن مصير الأموال المهربة للخارج، والتي تهاونت مصر في ردها، بل قامت بإقرار قانون يتصالح مع أصحابها بحجة عودة الاستثمار ورجال الأعمال لمصر.
وإذا كانت قوى الفساد تهاجم مؤيدي النظام الذين لم يوقعوا "شيك تأييد على بياض"، فإنها تهاجم وتحاول تشويه المعارضين المناهضين للنظام السياسي القائم، وخصوصاً من لهم مواقف واضحة ضد ممارسات الفساد، كما حصل مؤخراً من اتهامات للمحامي خالد علي بالتربح.
هذه الواقعة تعتبر مثالاً واضحاً على نهج الفاسدين في تشويه سمعة من يحاول الهجوم على السلطة. فالسلطة في مصر تحاكم من رفع شعار الثورة، وطالب بتغيير نمط الاقتصاد، ومحاربة الفساد، وتسمح لفلول مبارك بتهريب المليارات إلى سويسرا.
(باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة القاهرة)

اقرأ أيضاَ:اقتصاد مصر في أزمة... فرصة لرجال الأعمال


المساهمون