نصوص برقية من وحل ما حدث

07 يوليو 2016
الصورة
أيها القطيع؛ منذ ألوف السنين، وأنت تهرول وراء غرائزك، فلا تقودُك، بعد ولائم العشب وحظائر التكاثر، إلا إلى خطاطيف المسالخ. طوبى لمن تمرّد وخرج عن صفك، فنجا، أو نهشته كلاب الراعي.
طبائع الخنوع؛ يُضرِم الطاغيةُ النارَ في الحقول والغابات، من دون أن يكفّ عن التغني بحُبَّ الشجر، فيعلو هتاف الرعية، مُرَحِباً بقدوم عصر الأنوار.
لا تُلقِ باللائمة على ركبتيك، إن جثوتَ أمام الآخرين. روحك تقودك، فإن كانت عموديةً صلبةً، وغير قابلة للطيّ، تظل هامتك مرفوعةً، حتى لو بتروا ساقيك من أعلى الفخذ، وإلا فلا.
يُصاب الإنسان بالهلع والحزن، إن دبَّ الورم في بعض جسده، وقد يجوب الدنيا بحثاً عن علاج، غير أنه يفرح حين تتورم ذاته، وبأورامها يُباهي ويفخر، إلى أن تقضي عليه.
منذ قابيل وهابيل، كانت الجريمة، ولا تزال، وستظلّ، حدثاً لاحقاً ومعطوفاً على حدث سابق هو الخيانة. انظروا حولكم وستدركون السبب وراء كل هذا الموت الذي يجتاح حياتنا.
لا يعرف الأعماق إلا من اختبر الغوص في لُجَّتِها، لكنك ستصادف دوماً من يعوم على شبر ماء، فيتوهم نفسه بحَّاراً، ويُحدّث الناس عن دُرّرٍ يراها هناك بأم عينه.
حتى الحمار يستطيع الوصولَ بمفرده إلى حيث امتطيته في مرة سابقة، وأن تكون إنساناً يعني أن تختار طريقاً إلى إنسانيتك، من دون أن يمتطي ظهرك أحد.
كذب بالألوان: البيت الأبيض، الخطوط الحمراء، المنطقة الخضراء، الثورات البرتقالية، الكتاب الأخضر، الجيش الأحمر، الذهب الأسود، الشاشة الفضية، الصحافة الصفراء.
في القرن الحادي والعشرين، عادت الجاهلية الأولى حيَّةَ، ولها لسان البسوس ومكر حَمَّالة الحطب. أحياها الشعوبيون الجدد، بالفتن المذهبية، وينفخ في روحها الجهلة عبر فيسبوك وتويتر.
هل كان علينا أن ندفع كل هذا الدم، لنكتشف حقيقة ما حدث؛ الذئب افترس ليلى وجدّتها، ونجا بفعلته، ثم أعاد كتابة القصة، بما يتيح له التهام المزيد من أمهاتنا وأطفالنا.
عند أبواب المخابز يموت العربي أحياناً، لا من الجوع، بل من عطش الحرية المزمن للدم.
كل صراخ الأطفال المذبوحين ونحيب الأمهات الثكالى، في بلادنا، لا يصل إلى أسماع الضمير العالمي، لأن هذا الضمير صار، منذ عقود، رهينةً في متحف إسرائيلي لضحايا الهولوكوست اسمه "ياد فاشيم".
وقود الثورة موجود على كل رصيف، ووسط كل حي فقير، في العالم العربي، لكن الحُكَّام الطغاة تعمى قلوبهم، فلا يرونه، ولا يكفون عن اللعب بإشعال أعواد الثقاب.
ليست الثورة هي من تحتاج كلماتنا، بل نحن من نحتاج شرف التقرّب إلى روحها، بصراخنا في أذن العالم النائم.
لا شيء يبدّد عتمة الليل البهيم سوى شروق الشمس، أما الشموع فهي أعجز من أن تفعل، وإن كان في وسعها أن تؤنس وحشة المقهورين، ريثما يطلع الفجر.
ما من طاغيةٍ إلا توهم، نعم توهم، بأنه يستطيع أن يثقب عجلة التاريخ، أو يعرقل دورانها، قبل أن تسحق عنقه.
إلى من يسألونني من أين؛ أنا سوري من حمص الآن، وكنت عراقياً من بغداد حين غزاها الأميركيون، ولبنانياً من بيروت عندما احتلها الإسرائيليون، وفلسطينياً قبل ذلك وبعده.
كلام نهائي: ليس بالنبض وحده يواصل القلب وظيفته، ولا بتوقفه فقط ينطفئ ويموت. كم من قلوبٍ سكتت نهائياً، وابتلعها تراب القبور، لكنها ما انفكّت تنشر الضياء في الدنيا، وكم من قلوبٍ مازالت تدقّ بانتظام، وتمارس وظيفتها البيولوجية، دونما خلل، لكنها تغرق في العتمة، وتنشر الظلام على كل من حولها؟ في القدرة على الحب، يكمن سر الضياء الذي لا يموت، وفي القدرة على الكُره، يكمن ربما سر الظلمة الأبدية، ومعها الظلم بلا حدود. أقول ربما.
تعليق: