450 ألف معتقل ومفقود ليسوا أولوية في محادثات دي ميستورا

20 مايو 2017
الصورة
اعتصام بمشاركة وفد المعارضة بجنيف تضامناً مع المعتقلين(العربي الجديد)
+ الخط -
بالتزامن مع انعقاد مفاوضات جنيف بين وفدي النظام السوري والمعارضة، أثيرت قضية المعتقلين في سجون النظام السوري عبر التقرير الذي كشفت عنه وزارة الخارجية الأميركية وأكد إقامة النظام السوري محرقة داخل سجن صيدنايا قرب دمشق، بغية التخلّص من جثث المعتقلين الذين يتم إعدامهم في السجن، الذين قدّر التقرير عددهم بخمسين شخصاً يومياً منذ بداية الثورة في سورية في مارس/آذار 2011. وتحوّلت محنة المعتقلين في سجون النظام، إلى واحدة من القضايا الأكثر أهمية بالنسبة لمعظم شرائح الشعب السوري، رغم عدم حصولها على اهتمام كبير خارجياً. كما لم تتم ممارسة أية ضغوط جدية على النظام، حتى الآن، لإطلاق سراح المعتقلين أو السماح بزيارة المعتقلات وأماكن الاحتجاز لديه، التي تضم مئات آلاف البشر، أو حتى مجرد الإقرار رسمياً باعتقالهم. لكن فظاعة الوضع لم تكن كافية لتقنع المبعوث الدولي، ستيفان دي ميستورا، بإعطاء مصير المعتقلين أولوية مطلقة على حساب كل البنود الأخرى، بما أن الأمر يتعلق بحيوات عشرات آلاف السوريين.

وإذا كانت سجون النظام ومعتقلاته ظلت مزدحمة طوال العقود الماضية، خصوصاً بعد الصدام بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين في ثمانينات القرن الماضي، إلا أن أعدادهم زادت بصورة مذهلة منذ اندلاع الثورة السورية قبل ست سنوات، وزادت معها معدلات القتل والموت تحت التعذيب في تلك السجون في ظل غياب أي نوع من الرقابة القضائية أو القانونية على تلك المعتقلات والسجون، العلنية منها والسرية.

في هذا الإطار، قال رئيس الهيئة السورية لفك الأسرى والمعتقلين، فهد الموسى، لـ"العربي الجديد"، إن "السجون العلنية المعروفة، هي السجون المدنية المركزية في كل محافظة سورية، وأكثرها سوءاً هي سجون عدرا وطرطوس واللاذقية. أما السجون العسكرية العلنية فأبرزها سجن صيدنايا، والأكثر شهرة فيه هو البناء الأحمر، إضافة إلى سجن تدمر الذي تم إخلاؤه من المعتقلين قبل سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على تدمر ونقل المساجين والمعتقلين وقتها من سجن تدمر إلى أبنية في منطقة حسيا الصناعية، إضافة إلى توزيع بعضهم على عدد من القطع العسكرية".

وأضاف "أن هناك أيضاً سجن البولوني العسكري داخل مدينة حمص، وهو عبارة عن حلقة وصل لترحيل السجناء من محافظة إلى محافظة ثانية أو من سجن إلى سجن آخر. ويعتبر مقر لجنة التحقيق الأمنية الرباعية لمحافظة حمص في الطابق العلوي، ويسمع فيه صراخ تعذيب المعتقلين أثناء التحقيق معهم".

ولفت الموسى إلى أن "السجون السرية موجودة في مقرات الأفرع الأمنية ومقرات لجان الدفاع الوطني وفي المطارات العسكرية (يوجد في سورية 30 مطاراً عسكرياً) وقد كنت شاهد عيان على وضع المعتقلين في مطار حماه العسكري، الذي يعطيك صورة مصغرة عن الجحيم بعينه". وأوضح أن "أشهر أماكن السجون السرية للمطارات هو مطار المزة العسكري، إضافة إلى مقرات ألوية الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد. وهناك سجن سري كبير هو مدرسة أمن الدولة في نجها وهي بطاقة استيعابية كبيرة".

ورأى موسى أن "أسوأ السجون السرية هو سجن مليشيات الدفاع الوطني لشبيحة دير شميل، حيث يمارس هناك أبشع أنواع التعذيب. وقد شاهدت حالات مريعة، بنفسي، محولة من دير شميل إلى مطار حماة العسكري، إضافة إلى سجون سرية تابعة للمليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني".



وحول التقديرات المتوفرة بشأن العدد الإجمالي للمعتقلين في سورية، لفت الموسى إلى أنه "في ظل عدم وجود أي اعتراف أو إحصاء رسمي لأعداد المعتقلين، فإن التقديرات السائدة هي أن هناك نحو 300 ألف معتقل، إضافة لنحو 150 ألف مفقود".

ونوّه إلى "أن كثيراً من الأهالي لا يجرؤون على توثيق أسماء أبنائهم المعتقلين لدى المنظمات الحقوقية، خوفاً من الملاحقة الأمنية وحفاظاً على سلامة ابنهم المعتقل، وبالتالي لا يمكن معرفة الأعداد الحقيقية إلا بعد البدء بتطبيق المرحلة الانتقالية في سورية وتأسيس لجنة سورية دولية مشتركة لتلقي الشكاوى وتقصي الحقائق، وتكليف أحد مكاتب النيابة العامة في كل محكمة لتلقي الشكاوى من الأهل وتقصي الحقائق".

وحول الأعداد المحتملة للضحايا بين المعتقلين منذ بداية الثورة السورية، كشف الموسى أنه "بحسب تصريح وزارة الخارجية الأميركية فإن العدد اليومي للتصفيات في محرقة سجن صيدنايا هو 50 معتقلاً يومياً. وهذا يعني أن العدد الإجمالي منذ بداية الثورة حتى الآن لا يقل عن 111 ألف معتقل تم إحراق جثثهم".

ولفت إلى أنه "من خلال تواصلنا مع بعض المعتقلين الذين خرجوا من صيدنايا، فقد أكدوا لنا أن أعداد الإعدامات كانت تصل إلى 300 معتقل يومياً"، مشيراً إلى أن "القاعدة العامة للإعدامات تحكمها الطاقة الاستيعابية لسجن صيدنايا التي تبلغ حوالى 15 ألف معتقل، بالتالي فإن أي عدد معتقلين يدخل يومياً إلى سجن صيدنايا، يجب أن يعدم مقابله من المعتقلين القدماء حتى يتم المحافظة على الطاقة الاستيعابية للسجن، ما يعني أن العدد الذي ذكرته وزارة الخارجية الأميركية هو الحد الأدنى للتقديرات".



وحول الرقابة على السجون في سورية، أكد الموسى أنه "لا توجد أي رقابة حقوقية خارجية على السجون في سورية، سواء السرية أم العلنية. أما من حيث الرقابة الداخلية للنظام على السجون فإن النظام السوري، ورئيس النظام السوري، يشرفون بشكل مباشر على كل هذه السجون، وهم يتحملون ما يجري فيها من عمليات تعذيب وإعدامات". وأكد "عدم وجود أي مساءلة أو مسؤولية عن هذه الجرائم، لأن قانون المخابرات العامة يعطي الضباط والعناصر حصانة ضد أي ملاحقة قانونية أو قضائية".

وأوضح أن "الرقابة الوحيدة على سجون النظام ومعتقلاته هي من خلال عمليات الرصد للمنظمات الحقوقية لهذه السجون وإمكانية التواصل مع المعتقلين الذين يطلق سراحهم، ويوافقون على الإدلاء بشهادات لهذه المنظمات الحقوقية"، مشيراً إلى أن "النظام يتعمّد أحياناً إطلاق سراح بعض المعتقلين كي يرووا معاناة المعتقلين، بهدف ترهيب باقي أفراد الشعب، ما يعني أننا أمام إرهاب دولة منظم ومدروس".

وكانت الخارجية الأميركية كشفت، الإثنين الماضي، عن إقامة النظام السوري محرقة جثث داخل سجن صيدنايا قرب دمشق، أحرق فيه آلاف الجثث لسجناء أعدموا في السجن خلال السنوات القليلة الماضية. وبنت الوزارة معلوماتها على صور مأخوذة من الأقمار الصناعية رفعت السرية عنها، لهذا السجن. وتقاطعت المعلومات الأميركية مع تقرير مدعم بصور مأخوذة من أقمار صناعية نشرته منظمة العفو الدولية في فبراير/شباط الماضي، ويتهم النظام السوري بشنق نحو 13 ألف شخص بين عامي 2011 و2015 في هذا السجن. ونفى النظام السوري كل ذلك.

وكان رئيس النظام، بشار الأسد، أنكر بدوره تقرير منظمة العفو الدولية خلال مقابلة مع موقع "ياهو نيوز" الأميركي في 10 فبراير/شباط الماضي. وردا على سؤال "هل تعلم ماذا يجري داخل سجن صيدنايا؟"، أجاب الأسد "أنا في القصر الجمهوري ولا أعيش في السجن، ولا أعرف ما يجري هناك، لكنني أعرف ما يحدث في سورية أكثر من العفو الدولية، التي تضع تقاريرها استناداً لمزاعم". كما وصف الصور التي سربها الجندي المنشق عن النظام "قيصر" قبل أعوام، وتضمنت توثيقاً لضحايا التعذيب في سورية، بأنها "فوتوشوب".