نصائح منظمة الصحة العالمية .. وفضائحها

نصائح منظمة الصحة العالمية .. وفضائحها

04 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
بعد حوالي ثلاثة أشهر من تفشّي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، في مدينة ووهان الصينية، اتهمت منظمة الصحة العالمية دولا في الشرق الأوسط بالتستر على العدد الحقيقي للإصابات فيها. قامت بذلك لأنها تتمتع بصلاحياتٍ تخوّل لها التشهير بالدول التي تتكتم على معلوماتٍ من شأنها أن تعرّض سلامة شعوب العالم للخطر. وهذا ما قامت به عندما تسترت الصين على وباء الالتهاب الرئوي الحاد (سارس)، الذي أودى بحياة نحو 800 شخص، بين عامي 2002 و2003. كانت النرويجية، جرو هارلم بورتلانت، تترأس المنظمة آنذاك، ولم تتردّد في اتهام بكين بإخفاء الحقائق بشأن الفيروس، حتى خرج عن السيطرة وتحول إلى وباء عالمي. أما اليوم، فلم يكتف المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، بالتزام الصمت حيال تستر السلطات الصينية على الوباء، بل تصرّف أحيانا وكأنه مدير العلاقات العامة للحزب الشيوعي الصيني. 
وتواجه المنظمة الأممية اتهاماتٍ بمساعدتها الصين على التكتم على أول التقارير عن فيروس كورونا المستجد، وتقاعسها في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحدّ من انتشاره، وتقديم نصائح ساهمت في تفشّيه، ففي مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية يوم 20 مارس/آذار، صرح نائب رئيس تايوان، تشن شين جين، إن بلاده أخبرت المنظمة، في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2019، إن عاملين في مستشفى ووهان المركزي قد أصيبوا بعدوى الفيروس، ما يشكل دليلا على انتقاله بين البشر. وأضاف إنه كان من المفترض أن تعمِّم المنظمة هذه المعلومة على الدول الـ196 الأعضاء في "اللّوائح الصحية الدولية"، وهي صكّ قانوني تأسّس عام 2005، على خلفية تستّر الصين على وباء سارس. ولكن المنظمة لم تنشر تحذيرات تايوان التي أكّدها الطبيب الصيني، بلي وينليانغ، وزملاء له، أوقفتهم السلطات واضطهدتهم بدعوى ترويجهم الشائعات عبر الإنترنت.
انتشر الوباء، وغداة إعلان تايلند عن أول إصابة خارج الصين يوم 13 يناير/كانون الثاني، غرّدت منظمة الصحة العالمية على "تويتر" إن السلطات الصينية لم تجد دليلا على انتقال 
الفيروس بين البشر، ولا تنصح بفرض أي قيودٍ على الصين، ‏بشأن حركة السفر أو التبادل التجاري معها. ومن دون أن تتأكد من تقارير بكين، ظلت تردّدها، وتبشّر بالسيطرة على الفيروس، وتشجع على حرية التنقل، إلى أن غادر ملايين المسافرين ووهان، حاملين معهم العدوى داخل الصين وخارجها. تفشّى الوباء في اليابان وكوريا الجنوبية، ولم يعد في وسع الصين أن تغطي الشمس بالغربال، فأقرّت يوم 20 يناير/كانون الثاني بحقيقة العدوى. يومها شرعت المنظمة الأممية في إصدار تقاريرها اليومية، وإحصاء الإصابات والوفيات، والإعراب عن قلقها البالغ، وإسداء نصائح تسبب بعضُها في تفشّيه.
وحتى بعد أن عزلت الصين أكثر من 40 مليون شخص، وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن أول إصابة، شدّدت منظمة الصحة العالمية على عدم فرض أية قيود على حركة المرور الدولي، وأكد غيبريسوس إنه لا يجب التسرع والجزم بأن الفيروس قد أصبح "وباء"، لأن الصين قادرة على احتوائه. ثم رفض الإعلان عن حالة طوارئ صحية عالمية يوم 23 يناير/ كانون الثاني، على الرغم من استيفاء كل المعايير لاتخاذ إجراءٍ كهذا لاحتواء الوباء في أولى مراحل انتشاره. انتظر أسبوعا كاملا ليقوم بذلك، وكان حينها الوباء قد انتشر عبر القارّات، وأعلنت 19 دولة عن آلاف الإصابات، وتحوّلت إيران وإيطاليا إلى بؤرتين للعدوى، في ظل تشكيك المنظمة فترة في قدرة انتقال العدوى عبر الأشخاص الذين لا تظهر عليهم أعراض إصابتهم بالفيروس.
بعد أن اجتاحت العدوى القارّات الخمس، وبلغت أقصى مخاطر التفشي، ارتفعت أصوات عبر العالم تطالب المنظمة الدولية برفع تصنيف انتشار الفيروس من "الوباء" إلى "الجائحة"، كي تأخذه كل الدول على محمل الجد، وتسخّر لمحاربته كامل أنظمتها الصحية، وتتّخذ مزيدا من الإجراءات الاحترازية، بما فيها فرض قيود على السفر والتنقل. كان جواب غيبريسوس يوم 24 فبراير/شباط إن من المبكر إطلاق هذا التصنيف الذي قد يثير حالةً من الذعر والمبالغة في ردة الفعل، وجزم بأن الوباء ليس خارج السيطرة عالميا. ارتفعت سرعة الوباء ورقعته، فاضطر غيبريسوس إلى الإعلان عن جائحة كورونا يوم 11 مارس/ آذار، وكشف حينها عن حصيلة تقاعسه، من دون أن يعترف بذلك: "في الأسبوعين الماضيين، زاد عدد حالات فيروس كورونا خارج الصين 13 مرة، وتضاعف عدد الدول المتضرّرة ثلاث مرات، وهناك الآن أكثر من 118 ألف حالة في 114 دولة، وتوفي نتيجة المرض 4291 شخصا".
فور تعميم الإعلان عن عالمية الوباء، سارعت حكوماتٌ عديدة إلى إغلاق حدودها، وتعليق 
الرحلات الجوية، وفرض الحجر الصحي، وإجراءات وقائية أخرى. أما مخيمات اللاجئين، والدول التي ينخرها الفقر، ويرهقها الاكتظاظ السكاني، وتمزّقها الحروب، وتفتقر إلى الماء النظيف، ناهيك عن مواد التعقيم، فقد لا تُجديها نفعا نصائح المنظمة بالالتزام بآداب العطاس والسعال ونظافة اليدين والتباعد الاجتماعي، ولم يعد بإمكانها إلا أن تحبس أنفاسها، في انتظار الأسوأ. كان في وسع تيدروس أن يجنب العالم محنة كورونا، لو وقف في وجه سلطات بكين، ورفض تكتّمها على وباءٍ خطورتُه في سرعة انتشاره، ولكنه فضّل الوقوف بجانب دكتاتورية الحزب الشيوعي الصيني، والإشادة بـ"شفافيته" و"التزامه"، وادّعاء أن جهود الصين في احتواء الوباء "جعلتنا أكثر أمانا".
واضح أن فاقد الشيء لا يعطيه، وكيف لمن يُشتبه في تستّره على وباء الكوليرا أن يرى مشكلا أخلاقيا في تستر الصين على كورونا؟ ففي منتصف 2017، في أثناء ترشيحه لمنصب مدير للمنظمة العالمية، وُجّهت له اتهاماتٌ علنيةٌ بشأن تستره على تفشّي وباء الكوليرا في أعوام 2006 و2009 و2011، حين كان وزيرا للصحة في بلاده (إثيوبيا). وأكّدت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية أنه تم العثور على الكوليرا في عينات البراز المأخوذة من المرضى آنذاك، لكن غيبريسوس، وكان وزير خارجية إثيوبيا، نفى تلك الاتهامات بقوله: "إنها لم تكن كوليرا، بل مجرّد إسهال مائي حاد". اقتنع المجتمع الدولي بهذا التلطيف اللغوي لوباءٍ فتّاك، وتم انتخابه أول أفريقي يترأس منظمة الصحة، وأول مدير في تاريخها لم يزاول الطب في حياته. حظي بدعم كبير من الصين، وها هو اليوم يرد الجميل لحليف بلاده على حساب العالم، ويتمسّك بمنصبه، على الرغم من عريضة إلكترونية وقعها مئات آلاف الأشخاص، مطالبين باستقالته.
ستُضاف فضيحة كورونا إلى فضائح منظمة الصحة العالمية التي تتأرجح بين التراخي والمبالغة في الإنذار عن انتشار الأوبئة، فلقد لقي أزيد من 11 ألف شخص مصرعهم في أفريقيا الغربية سنتي 2013 و2014، جرّاء تأخر استجابة المنظمة خمسة أشهر، بعد أن استنجدت بها حكومتا غينيا وليبيريا لمكافحة تفشّي فيروس إيبولا على أراضيهما. وقبلها بأربع سنوات، بالغت المنظمة 
في خطورة إنفلونزا الخنازير (إتش1 إن1) وسرعة انتشارها، وأوصت بإنتاج خمسة مليارات جرعة لقاح سنوياً لتفادي موت الملايين، فتسابقت الحكومات إلى صرف أموال طائلة لاقتناء وتخزين كميات خيالية من اللقاحات والأدوية التي تم إتلافها، بعد أن اتضح أنه تم تعريض ملايين من الناس للقاحات غير مختبرة بشكل كافٍ، وموجة من الذعر بلا مبرّر. والأخطر أن تحقيق البرلمان الأوروبي كشف أن ثلاثة من كبار مستشاري منظمة الصحة العالمية الذين أوصوا برفع مستوى خطر إنفلونزا عادية إلى "الجائحة"، كانوا قد شاركوا في وضع خطط توصي حكومات العالم بتخزين اللقاحات لمواجهة وباءٍ مماثلٍ لإنفلونزا الخنازير، وكانوا قد تقاضوا مكافآت مالية من مختبرات صناعة اللقاحات وشركات الأدوية. أقرّت المنظمة بخطاياها في الفضيحتين، ولكن المجتمع الدولي لم يسائلها، واكتفى بصياغة لائحةٍ من الانتقادات، والتوصيات، والدروس غير المستفادة.
فشل المنظمات الأممية وفسادها من فساد النظام العالمي الذي تكاد تنعدم فيه المساءلة والمحاسبة، ويسوده قانون الغاب، وإفلات الجناة من العقاب. حين تنقشع غيوم كورونا ويحل وقت الحساب، إن لم تتم مساءلة قيادتَي الصين ومنظمة الصحة العالمية، فليستعد العالم لمزيد من الاستهتار والتستر، وجائحات أكبر.