نشيد يتشبّث بما هو جدير بالبقاء

31 أكتوبر 2019
الصورة
(أمجد ناصر)
+ الخط -

على الكتابة عن شاعر أن تكون قريبةً من الشعر، على الحافة، وإلّا اغتربت وغرّبت، وكذلك الأمر حين يرحل شاعر تميّز منذ البداية بصخب هادئ، أو بهدوء صاخب، مثلما رحل أمجد ناصر في الليل الهادئ من دون أن يغضب ربما.

كلنا نتمنّى، كما تمنّى ديلان توماس أن لا يرحل هادئاً في ذلك الليل الطيّب، أن يغضب ويغضب لموت الضياء. لماذا؟ لأنني حين أعود إليه في وقفته تلك ذات يوم من أيام عام 1982 على منصة في احتفال شعري في قطر حضره أكثر من غاضب مثل ناجي العلي وغالب هلسا، أتذكّر ارتباكه وقوله بحياء إنه لا يستطيع أن يضج ويصخب ويشير بيديه كغيره من الشعراء.

ومع ذلك لا أجد ما هو أكثر تعبيراً عنه في ما كتب ونشر وفي رحيله الهادئ من ترتيل تلك القصيدة، قصيدة "لا ترحل هادئاً"، لأن الحكماء والشعراء والفنانين، مع معرفتهم حين تحين نهايتهم أن الظلام حق لأن كلماتهم لا تشع بروقها، لا يرحلون هادئين مهما كان الأمر؛ إنهم يغضبون.

وهناك سبب إضافي لهذا الترتيل بالذات، الترتيل الذي هو ليس بالجنائزي ولا بالرثائي، بقدر ما هو نشيد يتشبّث بما هو جدير بالبقاء، بأن يظل للإنسان، أي إنسان، رغبته بالبقاء، حتى وأن أدرك أن النهار يقترب من نهايته. هل هو ترتيل من أجل أن يظل نهار الشاعر قائماً، وغضبه مسموعاً، ولكلماته بروقها؟

هو كذلك كما أتخيّل، بل وأتمنّى، لأنني ما زلت أتذكّره وهو يخرج بعد مجموعة شعرية أولى ويبدأ بقص حكايات مختلفة؛ حكايات من أطلق عليهم اسم رعاة العزلة، ويفتتح هذه البداية المختلفة مرتدياً زي ناسك متنبّئ "مطر جارح سيساقط عمّا قريب بين الأغاني وسفوح مؤاب".
ما زلت أراه في هذا الزي، وأسمعه يقول كأنما ليؤكد ما أذهب إليه "يمكن أن يكون الشعراء متنبّئين مثيرين للشفقة"، وأضيف الآن، بعد رحلة طويلة للشاعر بين الكلمات وتحت سماء من كلمات وفي اتجاه بحر من كلمات، ويمكن أن يكونوا شريدين، حيرتهم مع كلماتهم أكثر مما هي مع كلمات الآخرين.

لم يكتب الشعر بقدر ما كتب نثراً كما قال ذات يوم، وهذا ليس اتجاهاً كما قال بعضهم نحو محو الحدود بين الأنواع الأدبية، بل هو جهد تميّز به، وإن ظلّ خفياً تحت أوصاف يقولها هذا أو ذاك تُموّه أكثر مما تكشف، جوهره جعل اللغة تستعيد حساسيتها المفقودة، سواء فقدتها في الشعر أو الرواية أو المقالة أو أدب الرحلات.

حساسية اللغة هي التي وجّهته نحو الاحتفاء ببلاغة الحكاية. تلك الحكاية التي كشف شعراء وكتّاب حسّاسون من أمثال بورخيس وماركيز أنها تقول كل شيء؛ تقول الملحمة والشعر والنثر والصور.. أو تلخيصاً، تجتمع فيها أصوات النوع الإنساني. كانت الحكاية الشعرية، وهذه تسميته، هي الخلاصة، لا القصيدة، نثراً أو نظماً. وهذا منجز يحفظ له مكانته مع المتميّزين.

لهذا السبب لا أجد مناسباً في هذه الوقفة أمام رحيل شاعر تميّز حقاً أكثر من ترتيلة ديلان توماس، بهديرها وصخبها، ونورها الذي تقترح أن نتشبّث به وأن نغضب من أجله أيضاً.

دلالات

المساهمون