نساء دخلن التاريخ بصمت: الموسيقى في وجهٍ آخر

نساء دخلن التاريخ بصمت: الموسيقى في وجهٍ آخر

26 يوليو 2020
الصورة
لمعت إليزابيت جاك دولاغير كأول النسوة اللاتي احترفن العزف والتأليف الموسيقيين (Getty)
+ الخط -

أشبه برنين يجوب رحاب معبد للزن، تتناهى أولى المتطابقات من الأصوات لمقطوعة المؤلفة الموسيقية الفنلندية كايا سارياهو Kaija Saariaho والمعنونة "أقواس ضياء" (Lichtbogen)، من إصدار سنة 1985، تستلهم من خلالها ظاهرة الشفق القطبي، وتستمزج في تراكيبها الآلات الأوركسترالية بأصوات إلكترونية تولّدها الحواسيب؛ أسلوبٌ حداثي مؤثر ستبرز كواحدة من رواده الطليعيين. 

كانت لتلك المقطوعة الخارقة للعادة في زمانها أصداء إيجابية ومُرحّبة بالسيدة سارياهو، علماً بارزاً وصوتاً مؤثراً في المشهد الموسيقي العالمي؛ استكمالاً للصورة الحسنة التي رسمتها كوكبة المؤلفين الفنلنديين من خريجي أكاديمية "سيبيليوس" الموسيقية، تيمّناً بأيقونة الموسيقى الفنلندية يان سيبيليوس 1865-1957 Jan Sibelius، شملت عدداً من الأسماء الأخرى اللامعة، كالمؤلف وقائد الأوركسترا الشهير Esa-Pekka Salonen، ومن قبل ذلك معلّمه الراحل إينوجوهاني راوتافارا 1928-2016 Einojuhani Rautavaara.       


على قدر ما بات من المألوف هذه الأيام أن تحوز الآنسات والسيدات من الموسيقيات، عازفات وقائدات أوركسترا، على بعض أضواء الشهرة والصدارة، وأن تُمنحن مؤلفات، كـ سارياهو، الجوائز العالمية والأجور السخيّة، بغية تمكينهن من إنجاز عديد الأعمال كي تؤديها كُبريات الفرق العالمية، إلا أن كلا من تاريخ البشر القريب والبعيد، لم يمنح المرأة يوماً حقها الإنساني بالمساواة مع الرجل في حقل الفنون، ناهيك عن بقية الحقول، والموسيقى خاصة، والتأليف الموسيقي بشكل أخص.  

ذكورة التاريخ أمست على درجة من التعمق والتجذر داخل الوعي الإنساني، بات يتعذر معها أن ينتبه المرء، ولو مرة، إلى واقع أن من بين كل أساطين الموسيقى العالمية على مر العصور، من باخ وموتزارت وبيتهوفن وصولاً إلى تشايكوفسكي وبرامز، لا ذِكر أو اعتبار ولا لامرأة واحدة. قد لزم البشرية عشرون قرناً ونيف، قبل أن تبدأ دوائر السياسة والصحافة ومؤسسات الثقافة بالبحث عن أعمال موسيقية نسائية تحت ضغط مضطرد من الحراك النسوي الراهن، وإن بدوافع انتهازية، مسارِعةً إلى ركوب الموجة الجارية.  

في مقالة ذات صلة نشرت في صحيفة "`ذا غارديان" سنة 2012، تتساءل المؤلفة والكاتبة البريطانية كيري آندرو عن سرّ غياب التمثيل النسوي ضمن المشهد الموسيقي العالمي، أسوة على الأقل، مثلاً، بالأديبات مطلع القرن التاسع عشر وحتى اليوم. مشيرة إلى أنه في معهد ترينيتي Trinity الشهير للعناية بالمواهب الموسيقية الصاعدة، حيث تُدرّس آندرو، وعلى الرغم من كون الغالبية من مجمل المنتسبين هم من الإناث، يبقين مع ذلك دون ثلث الملتحقين بصف التأليف الموسيقي. 

إبداع أعمال موسيقية خالدة تبقى وتقطع الحقب والعصور يتطلب نفحات من عبقرية، وتلك سمة نادرة أصلاً بين عموم الناس من ذكور وإناث، فما بالك، إذن، حين يتأسس بنيان اجتماعي عمره قرون، يقوم على تسيّد الرجال في كافة مجالات الحياة، فلا يعود بالإمكان أصلاً معرفة مدى النبوغ الموسيقي لدى النساء، ما دُمن لا يحظين بالفرص ذاتها في الظهور والعبور من بين هرميات المؤسسات الاجتماعية المختلفة، بداية بالبيت ثم المدرسة، مروراً بالكلية ثم المسابقة الدولية، انتهاءً بدور النشر وشركات الإنتاج وطبع الأسطوانات وتنظيم الحفلات، وصولاً إلى آذان الجمهور من مستمعين ونقاد. 

سيدتان فرنسيتان تحدتا السائد في أحقاب زمنية ماضية، أضاءتا التاريخ بأعمال موسيقية راقية، لم يُعِنهما الاقتران أو الاستنساب بأسماء رجولية لامعة (كحال كل من الألمانيتين كلارا شومان Clara Schumann 1819-1896 اقتراناً بزوجها المؤلف روبرت شومان، وفاني مندلسون Fanny Mendelssohn 1805-1847 نسبة إلى زوجها المؤلف فيليكس مندلسون)، وإنما رسمت كل منهما على حدة علامة موسيقية فارقة، نتجت عن طاقة خلاقة عارمة، تبلورت بصلابة عزيمة فائقة. 


في زمان أقصى النسوة عن مجال التعليم الموسيقي، ثم عن مجال النشر، في حال عكفن على التأليف، ثم عن مجال الاستمرار في تقديم العروض الفنية ونيل الردود الصحافية والنقدية، لمعت إليزابيت جاك دولاغير Elisabeth Jacquet de la Guerre 1665-1729 كأول النسوة اللاتي احترفن العزف والتأليف الموسيقيين بخالص المعنى الحديث للكلمة. 

من بين أبناء أربعة لأسرة موسيقية فرنسية عريقة، نبغت إليزابيث في سن مبكرة. أحيت أول حفل لها في القصر الملكي وهي في الثانية عشرة من عمرها. بتوجيه وتشجيع من والدها قل نظيره في عصرها سوى ما ندر، وحتى حين ألزمت العادة أن تعتزل المرأة العزف والكتابة الموسيقية عقب الزواج، أبت دولاغير الرضوخ للعرف السائد، وتابعت قُدماً نشاطها الأدائي والتأليفي، فأنجزت أول مسرحية غنائية سنة 1685.      
لفتت مواهبها الفذة انتباه الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، فأحاطها برعايته منذ البداية. بيد أن لقربها من الملك وحاشيته أثرٌ فاق العناية والرعاية، فقد مُنحِت دولاغير عن طريق البلاط عبوراً إلى دور نشر ذائعة الصيت في فرنسا، كـ لو روي وبويّلار. افتتان الملك بمؤلفات الموسيقية الشابة وشهادته في إحدى المقطوعات التي كتبتها بعنوان "ريفية موسيقية" Pastorale en Musique بأن "لها من الجرأة الفنية ما ليس لأيّ من بنات جنسها"، بحسب ما ورد عنه. 


الانطلاقة ذاتها من البلاط الفرنسي، مكّنت دولاغير، في ما بعد، من تجاوزه والخروج عنه؛ ما جعل منها، وحتى قبل موتزارت بقرابة المئة عام، من أوائل الموسيقيين المستقلين، الثوريين القافزين عن أحضان الرعاية الأرستقراطية. مبتدئة بذلك سيرة احترافية ظلت حكراً على القليل من الرجال، تكتب الأعمال ثم تنشرها في دور النشر المرموقة، تحيي الحفلات الخاصة والعامة، فتنال الأجر والثناء، وتحظى باهتمام الجمهور والنقاد.

في وصف أعمال المؤلفة الفرنسية ليلي بولانجيه Lili Boulanger 1893-1918، كتب إيغور ماركيفيتش، أحد أبرز قادة الأوركسترا في منتصف القرن العشرين: "لطالما أثارت فرادة مقطوعاتها بي الإعجاب، فهي لا تُعير اهتماماً لما هو رائج، وتبدو في غفلة عن أصداء ما يُقال ويُكتب. في ذلك، أعتقد، يكمن سر بقائها. وفي ذلك، أيضاً، ما قد يُفسّر لزوم مرور الوقت قبل أن تتفتّح موسيقاها وتتكّشف قيَمها الثمينة".

بيد أن ما غاب عن ذهن ماركيفيتش، أو أخفق في الإفصاح عنه، هو أن بولانجيه امرأة رحلت عن الحياة وهي لا تزال شابة في سن الرابعة والعشرين. عبقرية فنية بعزيمة فولاذية تحدت اعتلال الصحة واشتداد المرض، لكي تدخل التاريخ بصمت، بوصفها أول أنثى تفوز بجائزة روما الكبرى Grand Prix de Rome، وهي المسابقة الدولية الأهم في الفنون عامة ومجال التأليف الموسيقي على وجه الخصوص. بالإضافة إلى تركها أيقونات سمعية خالدة، كمقطوعة الأوركسترا والكورس "صلاة بوذية قديمة" Vieille Prière Bouddhique.


في فرنسا مشارفَ القرن العشرين، وفي ظل روح عصر لا تزال تحمل بصمة "الأعراف النابوليونية" منذ عام 1804، ضُيّق الخناق على النساء في مختلف صعد الحياة. إلا أن ذلك لم يمنع الأختين ناديا وليلي، اللتين نشأتا في أسرة فنية لأب فرنسي وأم روسية، من التطلع نحو تحقيق سيرة مهنية في التأليف الموسيقي. ناديا ستغدو قريباً إحدى أستاذات التأليف الأشهر في أوروبا بين الحربين.

سبق لها هي أيضاً أن حاولت مراراً نيل جائزة "روما الكبرى". إلا أنها عادت تصطدم في كل مرة بالمؤلف الفرنسي ورئيس لجنة تحكيم المسابقة كاميل سان - سانس Camille Saint-Saëns 1835-1921، الذي شاعت آراؤه الرجعية المناهضة لتكمين المرأة في حقل التأليف، حيث لم تفلح أي من النسوة إبان عهده حتى باجتياز الدور الأول. مع هذا، تمكنت بعد جهد ودأب، ليس من التأهل إلى الدور الثاني وحسب، بل من الحصول على الجائزة الثانية عام 1908.

أما ليلي التي عانت منذ الطفولة من اعتلال صحي مزمن نال من جهازها المناعي، فقد قررت أن تبدأ مشوار التأليف مذ كانت في السادسة عشرة. انضمت إلى صفوف كونسرفاتوار باريس عام 1909. بعدها بعشر سنوات، خاضت تحدياً جسوراً بمواجهة كل من جسمها المعتل ومجتمعها المحافظ، بأن تقدمت للمناسفة أسوة بأبيها وأختها. 

وسط حملة إعلامية شرسة قادتها الصحافة الفرنسية، تحدثت في غمارها عن أخطار تتهدد الموسيقى إن مُكنّت النساء من أن يُصبحن مؤلفات، مقابل أصوات أخرى وجدت في اعتلال صحة ليلي من جهة وإصرارها على التنافس بأي ثمن من جهة ثانية، فرصة تغطية دراما مشوقة، فتابعت بعين الترقب وعن كثب القصة المثيرة لتلك الفتاة العليلة، الأصغر بست سنوات من كل المتقدمين الشباب، وهي تفشل مرتين قبل أن تنجح، لتُدرك مرادها أخيراً وتتوج في المركز الأول.  

في عالم مثالي، حبذا لو لم يكن للإبداع جنس أو هوية، حبذا لو أن الجودة الفنية والقيمة الروحية وحدها هي المعايير في الحكم والأسباب المؤدية إلى الشهرة والنجاح، كانت من كانت، وكان من كان المبدع والفنان. بيد أن العالم، مع الأسف، ليس مثالياً. عصور متتابعة من التمييز الممنهج والممأسس شلّت تقدم النسوة في مناح حياتية عملية وعلمية عديدة.


كون الفنون لامعيارية، شخصية لا موضوعية، تُستساغ بالذائقة وتُختبر بالعاطفة بقدر ما تستند إلى العقل والمعرفة، إلى مدى يصعب معه تأصيل الآراء حيال أي من الأعمال الفنية، ناهيك عن الموسيقى بوصفها المُنتهى في التجريد والرمزية. لذا، قد تُغلِّب الأحكام المسبقة، بوعي أو من دونه، الميل نحو ما يُبدعه الرجال، وذلك بمُقتضى تأسُّس الثقافة العامة في جميع المجتمعات، وإن بدرجات متفاوتة، على التسليم بتفوقهم على النسوة بملكة كالخلق أو القيادة.  
التصحيح يكمن في نقض مؤسسات السلطة الهرمية، سواءً في ميدان الثقافة أو في السياسة والإقتصاد، بغية إعادة تكوين المجتمع على مبدأ العدالة والمساواة. عندها فقط سيمكن القول: ليس كل موسيقى تكتبها امرأة بالضرورة جيدة، وليس جميع المؤثرين من المؤلفين هم حكماً من الرجال.

دلالات

المساهمون