نساء العباءة

07 أكتوبر 2019
الصورة
لطالما كانت العباءة إلزامية (فايز نور الدين/ فرانس برس)
لا شيء يُعرّف هوياتنا كنساء أجنبيات في السعودية. أثوابنا السوداء التي تغطّي أجسادنا، كانت تمحو ما نحن عليه، ونصير مجرّد أشياء، لا تختلف عن الأبراج الشاهقة اللامعة والكثيرة على أرض المملكة. حتّى الشمس، لم تكن قادرة على كسر كل هذا السواد. الكثير من النساء والفتيات يسرن في المولات الضخمة، بلون واحد وهيئة واحدة. لا فرق بين امرأة وأخرى، باستثناء أولئك اللواتي سمحن لأنفسهن، مع تراجع حضور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالكشف عن جزء من الشعر على الوجه. وإذا كان مصبوغاً بألوان فاتحة كالأحمر والأشقر، بدا لافتاً للمارة، وكان هذا ليظهر في شكل ابتسامات على ثغورهن. وربما كانت هذه من المرّات القليلة التي تشعر المرأة بأنّ لها هوية، وإن كانت تقتصر على المظهر.

الأسود كان خياراً لا بديل عنه للمرأة، احتراماً لتقاليد البلاد التي قررت العيش فيها كأجنبية، أو أُرغمت لدواعٍ اقتصادية. فالقبول لا يعكس احتراماً بالضرورة. لكنّ نساء كثيرات كنّ يبحثن عن ظفر يلونّه علّهن يخرجن من هذه الكآبة. والأجنبيات منهن كنّ أكثر حظاً بسبب قضاء معظمهن العطلة الصيفية في بلادهن، ليرمين ذلك الأسود، الذي كان يجعل منهن نساء بلون واحد، وإن اختلفت الأسماء. كنّ مثل السرب، حالهن حال الأسراب في أي مكان.

وكنّا في أحيانٍ كثيرة، نقسّم أجسادنا. نجعل جزءاً منه مناسباً للخارج، والجزء الآخر منه جاهزاً للنوم في أيّ لحظة. نرتدي ثياب النوم مع حذاء رسمي، طالما أنّ أحداً لن يستطيع رؤية ما نرتديه، ولا بأيّ شكل من الأشكال، حتى يصبح الاعتناء بالأنوثة حكراً على رجل هو الزوج، وليس أمراً يعني المرأة أولاً وأخيراً. والحديث هنا ليس عن رغبة في إغواء الآخرين، بل قدرة المرأة على التعاطي مع جسدها وكأنّه جزء منها "لا لبس فيه" أو لا شياطين مخبأة في داخله هنا وهناك. فالمرأة من خلال هذا الثوب، الذي طوّره المصمّمون وأدخلوا عليه بعض التطريزات، تبحث عن جسدها طوال الوقت. هي جسدان، أحدهما تتركه في الداخل، والثاني تأخذه إلى الخارج شرط أن يصير أسود اللون.



اليوم، ستكون الأجنبية قادرة على الخروج بالألوان التي تريدها، شرط الاحتشام، بعد إعلان رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والتراث في السعودية أحمد الخطيب، أنّ النساء الأجنبيات زائرات كن أو مقيمات "غير ملزمات بارتداء العباءة". الأجنبية لا السعودية. وربّما تزيد معاناة الأخيرة مع جسدها أو واقعها أو تقاليدها، أو تقول إنها هانت. يُقال إنّها خطوات نحو التحرّر، حين تكون المرأة مجبرة على التفكير بمحرم وزوج وأخ وعائلة ومجتمع ودولة، قبل أن تعرف ماذا تختار من خزانتها. العباءة السوداء قضمت وستقضم جزءاً كبيراً من حرية النساء، لمجرد أنّها وُضعت كحاجز بينهن وبين أجسادهن.