نزهة ليتم... فنانة تشكيلية مغربية أحيت نفسها بالألوان

28 يوليو 2020
الصورة
في محترفها (العربي الجديد)

داخل محترفها في العاصمة الاقتصادية للمغرب الدار البيضاء، وجدت الفنانة التشكيلية نزهة ليتم في الألوان والظلال ضالتها، وطوّعت الحديد والخشب لتخلق من هاتين المادتين أشكالاً عدة، وقد عكست لوحاتها الكثير من أفكارها وأحاسيسها وماضيها. 
هي فنانة عصامية، ولدت في مدينة فاس التي تشكل جزءاً أساسياً من التراث المغربي، وحصلت على شهادة ماجستير في الاقتصاد. كذلك تعمل في التصميم الداخلي منذ أكثر من 20 عاماً. حبها للرسم والألوان بدأ منذ كانت طفلة. وفي عام 2011، أقامت أول معرض تشكيلي لها لتتوالى مشاركاتها في معارض وطنية ودولية. وصارت لوحاتها تزيّن متاحف وطنية ودولية معروفة، عدا عن عملها أكثر من عشر سنوات على مشروعها المتعلق بإعادة تشكيل الحديد. كما أنها عضو في جمعيات خيرية عدة تهتم بالأطفال مرضى السرطان.
ميولها الفنية برزت منذ صغر سنها، فكان والدها الداعم والمساند لها يقتني أوراقاً للرسم ويحفزها على تطوير موهبتها. إلا أن والدتها كانت ترفض ذلك وتلحّ عليها في الاهتمام بدراستها وتحصيلها العلمي. تقول ليتم: "منذ طفولتي، وتحديداً في عمر الخمس سنوات، أحببت الرسم. كنتُ ألوّن على الأوراق والجدران، سواء بقلم الرصاص أو الحبر أو الألوان. كان هذا يشعرني بالسعادة. لكن كثيرا ما تبدد هذا الشعور حين كانت تعارض والدتي كل ما أقوم به".

فنانة تشكيلية مغربية

ليتم لم تلق تشجيع والدتها حتى بعد اجتيازها امتحان الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء، وحصولها على المرتبة الأولى. "رفضت والدتي فكرة انتقالي للدراسة في مدينة أخرى كوني فتاة، إضافة إلى صغر سني". 
وعلى الرغم من تأثير هذا الرفض السلبي على ليتم، التي خشيت ألا تكون قادرة على تحقيق حلمها، إلا أنها لم تستلسم وتابعت تحصيلها العلمي في تخصص آخر رأت فيه فرصة للانعتاق والتحرر. لكن بعد وفاة والدها في عام 1982، توقفت عن الرسم "من دون أن يتوقف عشقي له".  

وبعد إنهاء دراستها الجامعية، غادرت مسقط رأسها لتبدأ العمل في مجال التصميم الداخلي. تقول: "عملي في مجال الديكور منحني مساحات أكبر في الابتكار والإبداع وتنسيق الألوان، وأحيا في نفسي العشق الذي لم يمت. وفي عام 2006، قررت العودة إلى الرسم".
بدأت ليتم العمل في المجال الأحب إلى قلبها، واشترت ما تحتاجه من أدوات من مالها الخاص. لم تكن تعلم من أين تبدأ. كانت لوحتها الأولى بمثابة تفريغ لكل ترسبات الماضي. وتوضح: "أفرغت طفولتي في لوحتي الأولى. لم أكن أفكر في الأدوات بقدر ما كنت مشغولة بترجمة ما في داخلي من ألم وأمل وحب".

فنانة تشكيلية مغربية

في داخل مرسمها الذي يعجّ بالألوان والأشكال والأخشاب والحديد والدمى المصنوعة من الصوف والمتناثرة هنا وهناك، تشعر بالسعادة لأنها تمكنت من العودة إلى حبها الأول. حملت من طفولتها مشاعر وأفكارا وأحلاما وأوجاعا عبرت عنها في لوحاتها. وهي من الأشخاص الذين يرفضون القوالب الجاهزة، قائلة إن لوحاتها "تجريدية وتلقائية وعاطفية"، مشيرة إلى أنها لم تتأثر بأي مدرسة فنية. "منذ عام 2006 وحتى عام 2010، كنت أفرغ ما في داخلي من تراكمات. في أحد المعارض الفنية، سألني فنانون إن كنت أنتمي إلى مدرسة الفنان الجيلالي الغرباوي بسبب تقارب لوحاتي مع أعمال هذا الفنان الكبير،  لم أكن في الحقيقة قد تعرفت على هذا الاسم، لكن الفضول دفعني للبحث عنه وعن أعماله، وقد دهشت فعلاً بإبداعه، هو الذي كان رمزاً لقواعد الفن التشكيلي في المغرب". تتابع: "قادني البحث أيضاً للتعرف على الفنان الأميركي جاكسون بولوك، أحد رواد الحركة التعبيرية التجريدية". تشير إلى أنها حرصت على الحفاظ على بصمتها الخاصة في الرسم.
للونين الأبيض والأسود حضور طاغ في لوحاتها. تقول إنهما يعكسان قيم الحياة وتأرجحها بين الخير والشر، وبين النور والظلام. كما تحرص على المزج بين الألوان الدافئة وتعتمد على الألوان المائية أو الإكريليك.

فنانة تشكيلية مغربية

وفيما يتعلق بالخشب والحديد، تقول إن الأمر استغرق منها إجراء بحث عن مادة الحديد وتفاعلاتها مدة عشر سنوات. "ولم أعرض أعمالي إلا بعد إجراء اختبارات كثيرة. وعملتُ على تطوير لوحاتي بمساعدة الفنان جمال الوادي، الذي تعلمت منه أشياء كثيرة".
تختزل أعمال ليتم نظرتها للحياة والطبيعة والمشاعر من دون قيود أو حدود، لأن الفن بالنسبة إليها ترويض للمشاعر والحواس والذاكرة. وفي عز أزمة تفشي كورونا، حولت ليتم فترة الحجر الصحي إلى فرصة للبحث عن أسلوب فني جديد. 

إضافة إلى عشقها للفن التشكيلي، عملت ليتم على العمل في صناعة الدمى لإدخال الفرحة إلى قلوب الصغار مرضى السرطان. وتشير إلى أنها بدأت العمل مع صديقتها الفنانة التشكيلية صابرينا بن عزوز، بعد زيارتهما للأطفال مرضى السرطان في أحد المستشفيات الحكومية. وقررت الفنانة المغربية مساعدة الأطفال بصناعة دمى من الصوف بعدما وفرت الأدوات اللازمة لهم، بهدف تحفيز خيالهم ومساعدتهم على تخطي آلامهم.