نذير إسماعيل: وجوه صامتة تعلن عصيانها باكراً

20 ابريل 2019
الصورة
(من المعرض)
+ الخط -

توجّه معظم فنّاني الجيلين الثاني والثالث في المشهد التشكيلي السوري إلى التعلّم في أكاديميات متخصّصة، وكان لذلك أثره في تحقيق نقلة نوعية ترتبط بإرساء حداثة فنيّة بعد أن سادت قبل ذلك العديد من التجارب التي تميّزت بأسلوبها الفطري أو بالتشخيص الواقعي.

في المقابل، هناك من تعلّم مفردات الممارسة الفنية من دون الالتحاق بدراسة أكاديمية، مثل نذير إسماعيل (1948 - 2016) الذي اكتفى بتعلّم فن الطباعة لعدّة أشهر "مركز الفنون التطبيقية" في دمشق، وذهب في بداياته نحو رسم البيوت الطينية والمناظر الطبيعية لسنوات متماهياً مع تيار الانطباعية الذي ساد تلك المرحلة بتنويعات مختلفة.

"ثلاثة وخمسون عاماً" هو العنوان الذي اقتُرح لمعرضه الاستعادي الذي افتتح في غاليري "Art on 56th" البيروتي في الثاني عشر من الشهر الجاري ويتواصل حتى الأوّل من حزيران/ يونيو المقبل، في إشارة إلى عدد سنوات تجربته والتي تستدعي تأمّلات تقود إلى خلاصات متباينة.

بعد تنفيذ العديد من الأعمال التي قدّمها إسماعيل في أول معارضه عام 1969، ذهب إلى مساحات متفرّدة من التجريب التي اختبرها عبر وجوه لا تظهر معالمها بوضوح، بل يلتبس على قارئها أن يميّز إن كانت لرجال أم نساء، وكان أهمّ تعبير لها هو الصمت.

منذ سبعينيات القرن الماضي لن يرى الفنان في مدينته سوى جموع صامتة لا تنتمي إلى فضاء أو مساحة من الواقع، وسيرسم شخصيات منها في بعض اللوحات مقلوبة رؤوسها إلى أسفل، أو بوضعية أفقية بحيث تصبح العينان يمين الرأس والذفن يساره، لتقدم بذلك احتمالات متعدّدة لحضورها على قماشة اللوحة.

لكن لن تشير هذه الوجوه سوى إلى تشابهها شبه التام، ولن تشير أيضاً إلى انفعال بعينه بقدر ما قد ستوحي بكمونها أو انتظارها لحدثٍ ما، لم يأت طوال أكثر من نصف قرن، لأن صاحبها لم يرد لها أن تظهر بوضعية مختلفة ربما لأنه رأى مدينته غير مسموح لها الكلام، وأن أهلها كُتب عليهم التطابق في إيمانهم وآرائهم حيث يمنع عليهم أن يتحرّكوا كأفراد مختلفين عن بعضهم بعضاً في أي شأن كان.

ثم يحضر الطير في أعمالٍ أخرى كأنه يدلّ على انتظار هذه الجموع لبشرى ما أو خبر من بعيد، بشكل لافت ومثير، ويتكرّر المشهد طوال تلك العقود من دون أن يصل المتابعون إلى حالة من الملل، حيث يشاهدون أنفسهم.

ورغم التكرار أيضاً، فإن شخصياته عبّرت عن ذاتها كأنها تسير في فيلم سينمائي، في التقاطات توحي بعمق الكادر، كما غدت تدلّ على ملحمة تراجيدية كبرى ربما لا تخصّ السوري وحده بل توحي بثقل الوجود كلّه.

فجأة، وبحلول عام 2011 ستسير جموع نذير إسماعيل في الشوارع والساحات تعبّر عن احتجاجها ورغبتها بالتغيير، ولن يكون ذلك مجرّد حلم أو افتراض، إنما ستتسرّب فعلاً إلى أعمال العديد من الفنانين الذي اختمرت في ذاكرتهم وجوهه حتى أتت اللحظة لتخرج منها إلى الواقع.

المساهمون