نذر خراب مجتمعي

27 يوليو 2020
الصورة

(عبد الرحيم عقبي)

أب يلقي بأولاده الثلاثة تحت عجلات القطار. زوج يحرّض عاملاً لديه على اغتصاب زوجته. شابان يقتلان شاباً عاتبهما على التحرّش بأخته. زوجة وابنها يقتلان الزوج. انتحار رجل بسبب الفقر. زوجة تخون زوجها مع أبيه.. هذه عينة من حزمة وقائع مأساوية شهدتها مصر في بضعة أيام خلال شهر يوليو/ تموز الجاري. وعلى اختلاف أسباب كل منها وطبيعته، بين خيانة زوجية ويأس من الحياة وانتهاكٍ للحرمات، تعكس تلك الحوادث تحولا عميقا وبالغ الخطورة في المجتمع المصري، فالقاسم المشترك فيها جميعاً هو ارتفاع حدّة العنف السلوكي بين أفراد المجتمع. وهو تحوّل جوهري يتجاوز حدود العلاقات داخل الأسرة أو الوحدة الاجتماعية، إذ صار العنف متأصلاً في النسق الثقافي للمجتمع المصري المعاصر، فردياً وجماعياً.
غير أن ما وراء تلك الوقائع أبعد وأعمق من تأصل العنف في الشخصية المصرية، فلكل منها خلفيات وقصة أكثر درامية من الجريمة نفسها، فهذه الزوجة التي مارست الفاحشة مع حميها قتلها الزوج فور اكتشاف خيانتها له، والأغرب أن والده، شريكها في الخيانة، شارك ابنه أيضاً في جريمة القتل. وذاك الذي حرّض العامل على اغتصاب زوجته، كان غرضه اتهامها بالخيانة ليطلّقها ويحرمها حقوقها، غير أن القصة المريرة انتهت بقتل الزوجة الشريفة على يد العامل بعد مقاومة عنيفة منها. أما المنتحر بسبب الفقر، فلم يتحمّل العجز أمام أبنائه عن الإنفاق وتلبية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، فقرّر التخلص من حياته، وتركهم بلا دخل وبلا أب. في سلوكٍ يعكس يأساً من أي أفق في مستقبل أفضل، وغياب لليقين والثقة في عدل الله ورحمته.
تشترك تلك الجرائم أيضاً في اتصاف أصحابها بقلة الصبر، والخروج من الأزمات بالهروب إلى الأمام، واللجوء إلى حلولٍ سهلة سريعة، وإن كانت انتهاكا لمبادئ أو قوانين أو أخلاق. واتساقاً مع الرعونة والنزوع إلى الاستسهال، يبدو الأمر سواء، عند من انتحر ومن قتل أطفاله. ففي الحالتين لم تعد للحياة أهمية أو قدسية، سواء تعلق ذلك بالفرد نفسه أو بغيره، وإن كان من أعز (وأقرب) الناس إليه. وهو ما يفسر تزايد حالات الانتحار والقتل في مصر، لأسبابٍ تافهةٍ بل ظالمة بالمطلق، إلى حد قتل الأخ لأنه رفض التحرّش بأخته.
تشير تلك النوعية من الجرائم إلى تراجع الثقة في العدالة وإنفاذ القانون بيد الدولة، وإهدار قيمة التقاليد والأعراف الحاكمة للعلاقات بين الأفراد، ولمجمل العلاقات داخل المجتمع والدولة، فلو توقع ذلك الزوج المحرّض على اغتصاب زوجته، ولو لحظة، أن العدالة ستطوله، لما دبّر فخّاً لزوجته، انتهى بقتلها وافتضاح جريمته.
هذا فضلاً عما تنضح به تلك الجريمة من وضاعةٍ وخسّة وغياب لنزعات بشرية، يفترض أنها فطرية، مثل النخوة والغيرة وحماية الشرف وصون العرض.. فحتى الماضي القريب، كانت هذه مبادئ جوهرية لا يحيد عنها المصريون والعرب في خلافاتهم. ومهما بلغت بينهم العداوة بل والكراهية، لا يتم المساس بالنساء والشيوخ والأطفال والحقوق الشرعية والحرمات، فهي أشبه بالمقدّسات، أو هكذا كانت.
تدهور المنظومة القيمية وتضييع المبادئ والاستهانة بالقانون، نذير دمار وخراب. ليس فقط لقدرات الشعوب ومواردها المادية والمعنوية فقط، ولكن لجوهر بقائها ومقوماته، فقوى الانجذاب والارتباط داخل الجماعات الإنسانية، من الأسرة وحتى الدولة، لا تُفرض من خارجها بالقوانين والسلطة والقوة، وإنما بترسخ الشعور الجمعي لدى أفرادها بأنهم خيوطٌ في نسيج واحد، وإنْ تنوّعت ألوانه وأشكاله.
وليس أشدّ خطراً على نسيج أي مجتمع، من تفسّخ خيوطه، باستغناء أفراده عن بعضهم، والشعور المتبادل بأفضلية غياب الآخرين واستحسان التخلص منهم. حينئذٍ، لا يظل هؤلاء شعباً ولا مجتمعاً، وإنما أفراد فرادى، بلا رابط إنساني أو مادي، فتضيق عليهم الأرض، وإن رحُبت.