نداءٌ في وجهِ تَشظي أُمتنا

نداءٌ في وجهِ تَشظي أُمتنا

07 يوليو 2014
+ الخط -


كم يتمنّى المرءُ ألّا يكُونَ وليدَ هذا الزّمان، إذا كانت لهُ أمَّةٌ كأُمَّتِنا الّتي وُلدْنَا من رَحِمِها، فوجدنا الجهل نخرَ في عظمِنا، وتداعتْ علينا بقيَّةُ الأُمَمِ تنهشُ ما تبقَّى من جسدِ أمتنا.

عنْ أيِّ أمَّةٍ نتحدَّثْ؟ عن أُمَّةٍ يُقتَّلُ أبناؤُها وتُسْتَباح خِيرةُ نِســــائها ولا تُحرِّكُ ساكناً، أُمَّةٌ لا تغضبُ إذا ما انتُهِكتْ حرائرُ مِــــصْــــرِهَــــا، و تُنهبُ خيراتُ عِراقِها، وتُفتَّتُ مِياهُ دِجْلَتِها وفُراتِها، ويُسقَى أبناؤُها العَلْقَمَ وتُزهَقَ أرواحُهُم بأموالِ إخوتهم، أُمّةٌ تُقتلُ زهراتُ شامِها بأنكَى أنواعِ الأسلحة الفتّاكة، ويُجوّعُ شيبُها وشبابُها فلا يجدونَ حتّى خَشاشَ الأرضِ ليشُدُّوا أعْظُمَهُمْ بهِ، وإخوانهم يأكُلُونَ من الطّيباتِ حتّى تنتفِخَ بطُونهم و يشربُونَ حتّى الثُّمالة.

دعْنَا من خطاب حقُوقِ الإنسان الّتي ما فتئَ الغربُ ينعقُ علينا بها صباح مساء، بينما رأيناه بأمِّ أعيُنِنَا لا يتحرَّك هذا الغربُ إلاَّ لتحقيق مآرِبِهِ، ولا يربأُ البتّة بهذه الحقوق الّتي يُقدِّسُها في الظاهر، وتدحضُها قراراتُه وأعمالُه على أرض الواقع، أينَ الغربُ ممّا يقعَ في أرض سورية، حينما يقتّلُ الشّعبُ السُّوريّ بأبشعِ طُرقِ القتل، والّتي تنمُّ عن وحشيّة لم يعرف التّاريخ مثيلا لها، يقتلُ السوريون بأنواع عدة من الغازات السّامة، فتختنقُ براعمهُ حتّى الموت وتُلقى عليهم براميل متفجّرة، بحجة الدفاع عن الممانعة ومرادفات هذه الكلمة من الأكاذيب.

أمَّةٌ لا تنتفضُ عن بِكرة أبيها، وقد قُسِّمت شظايا، إلى كياناتٍ ضعيفة هزيلة، فإن لم تقدِر هذه الشّظايا الصُّمُود في وجه عدوّها منذ عشرات العُقود، فكيف إلى هذه الشّظايا الّتي قسّمها الغرب منذ قرون أن تصمُدَ إذا ما فُتِّت إلى كيانات أضأل ممّا هي عليه؟

أمّةٌ انتُزِعت منها أولى قبلتيها، ولا تزال تحت رزح الاحتلال الصّهيونيّ الّذي يقتلُ أصحاب الأرض الأصليين ويهجِّرُ ويسجِن وينتزع المُمتلكات، ويستولي على الأخضر واليابس، ويقتلُ ويحرقُ جثث أبنائنا، حتّى أصبح الأمرُ لدينا لا تكتنفهُ الغرابة، فهل انتُزِعت من قُلُوبِنا الحميّة وإن كانت حميَّةَ الجاهليّة!

كيفَ لِأُمَّةٍ ارتضت بأن يحكُمها طواغيت، وأن تزُجَّ بخير رجالها ونسائها في غياهبِ السُّجون، فيُخوَّنُ فيها الأمين، ويُستأمنُ فيها الخائن، ويُصدَّقُ فيها الكاذب، ويُكتمُ فيها على أنفاسِ الصّادقين، حتّى لا يُسمعُ لهم صوتاً بالمرّة، إلا أزيزاً كأزيز المِرجَل من سُوءِ ما وصلت إليه أُمّتُهُم، وأن يعتلِي منابرها باعةٌ لقضاياها يُروِّجُون لسلعهم الرّخيصة.

أمّةٌ سودانها، على ثراء موارده الطّبيعيّة والبشريّة، قُسِّمَ إلى إقليمين، وثالثها في الطّريق، ودائماً لا تتعظ، ولا تحرِّكُ ساكناً. أمَّةٌ كُتِبَ عليها أن تُذيقَ بعضها بأسَ بعض، وأن تتفرّق شيعاً وأحزاباً، شِيعٌ توجّهُ فوهة مدافعها نحو إخوانها، في العِرقِ والتّاريخ، والدّينِ واللّغة والمصير المُشترك، عِوضَ رصِّ الصّفُوفِ لمواجهةِ ما يُحاكُ لها سِرّاً وعلانيةً، فأيُّ بلاءٍ أعظمُ مِمَّا أُصيبت به هذه الأُمّة! 

avata
محمد الشّيبي (تونس)