نحو تونس (2)... جاك الموت يا تارك الصلاة

15 ابريل 2020
حطت بنا "تونيسيا أير" بمطار قرطاج بعد الثامنة ليلاً واستقللنا أجرة لفيلا السيدة حميدة التي كان والدي حصل على عنوانها من أحد أصدقائه، وكانوا قد اتصلوا بها ولم أعلم ذاك إلا صدفة، وجدناها في انتظارنا..

كانت تسكن بأحد أحياء المنزه السبعة، حي أنيق، جيرة ممتازة، ورغم أني لا أفضل سكن البيوت، إلا أنني كنت حريصاً جداً على أن يستمتع الوالد برحلته ويتعافى فلا أخالفه في قرار يرغبه.

أبي أبدى أعجابه لموظف الجمارك، بمطار قرطاج كثيراً، لأنه منذ زمان لم يسافر والمقارنة طبعاً بمطاراتنا. سأله الموظف يا عمنا كم مرة زرت تونس أجابه أربع مرات، ومتى كانت آخر مرة؟ قال له أغسطس/آب 1968، ضحكنا جميعاً لأننا لم نك خلقنا بعد.

الفيلا أرضية وكانت تناسب الأسر الكبيرة، حيث كانت بها 3 غرف وصالتان ومطبخ، وكعادة والدي كانت له خططه الخاصة التي أفسدتها له، لكن برغم ذاك أعجبته خطتي وأشاد بها، في غيابي طبعاً، لدى أصدقائه، الذين بلغوا نصف شهر يزورونه رغم أن الرحلة كانت أسبوعاً. وأنا لم يزرني أحد، وبدأت عملي ثاني أيام عودتي.

طلبت السيدة حميدة 70 ديناراً عن الليلة، أخبرتها أن لها ما طلبت، فإقامتنا ستكون أسبوعاً، وماذا سنوفر في السكن لأسبوع؟ فقط اشترطت عليها شرطاً قبلته، وهو إعداد وجبة كسكسي تونسي بلحم "العلوش"، وهم أهله، وسأحضر لها ما تريد، وقد كانت كريمة فأعدته رافضة أن نحضر أي طلبات سوى تحديد تاريخه.

يوم وصولنا ليلاً لمحت على ناصية "النهج" كشكاً يبيع ما يلزم المستأجرين، من طعام، معلبات، وإلى مواد التنظيف. كانت تقف به محجبة أو منقبة لا أتذكر، ومعها زوجها الذي سألني وأنا أتبضع للعشاء من أين أنت؟.. أجبته: ليبي. أخبرني أنه لا يرغب بالبقاء في تونس كونها تضيق كثيراً على الحريات الدينية ويرغب بالهجرة لليبيا، أخبرته أني أقيم قريباً ولا بد لي من زيارتهم يوماً آخر، أما اليوم نحن متعبون وجوعى.

بعد العشاء، أطلعنا أبي على خطته المبهرة، وهي إحضار مواد غذائية والطبخ. قلت له يا والدي أنا أحضرت زوجتي معي في إجازة لأسبوع من الطبخ، لذا لا "تأكل" همّاً بهذه الأمور، فقط استمتع بوقتك خارج العيادات.


يوم الجمعة، ذهبنا لشارع الحبيب بورقيبة ومن ثم دخلنا باب سويقة وأبواباً اخرى كثيرة لا أتذكرها وزرنا قصر قرطاج والمقرات الحكومية، وهناك جامع عتيق أعتقد أنه الزيتونة صورنا بقربه وصليت ووالدي الظهر في جامع السوق، عدنا لشارع الحبيب بورقيبة وتناولنا الغداء في إحدى المطاعم هناك.

أبي يفضل التعامل مع زوجتي أكثر مني، رغم أننا "أخوة" أكثر من أب وابنه. سأل زوجتي عن حادث وقع في المطعم بينما كنت أطلب الوجبات، وكان لسوء حظه أن أجاب زوجتي عن سؤالها أين، بأن وصف المكان أنه بالطاولة التي بجوار تلك التي تجلس عليها السيدة ذات الشعر الأصفر والثوب الأحمر، وكان اللون الأصفر للشعر وقتها موضة في تونس.

أخبرتني زوجتي همساً وتحوطاً بالإنكليزية الذي كان والدي نسي الكثير منها، وعلقت قائلة: يبدو أن نظر أبيك تحسن كثيراً بمجرد وصولنا لتونس. خزنت الملاحظة للممازحة لاحقاً، فقد كنا نعمل له مقالب لطيفة، أحبها وتحدث عنها كثيراً لأصدقائه الذين زاروه حين عودته، واصفاً الرحلة بأنها كانت أفضل رحلاته، رغم أنه جاب كل العالم العربي وبعض دول المتوسط.

كنت قد اشتريت جريدة رياضية قبلها من المطار، وكنت حريصاً على حضور إحدى مباريات الدوري التونسي الذي كان قوياً وقتها حتى لو كلفني الأمر الذهاب لسوسة، لكن كانت هناك مباراة بين الإفريقي وحمام الأنف فضلت أن أحضرها.

بعد إتمامنا الغداء، أخبرنا أبي عن خططه التي تعودها، وهي نذهب ونطبخ الشاي و"نقيِل"، من القيلولة، في السكن، قلت له حسناً إذهب أنت وأعد الشاي واحسبنا فيه، أما أنا وأهلي سنذهب في طريقنا وننزل عند مُركب المنزه، لمشاهدة المباراة، وأنت للأسف لن تستطيع مشاهدتها كون أنك متعب وتريد الاستراحة، لكن لا تنسانا من الشاي، وركبنا من محطة برشلونة القطار، واقتربنا من ملعب المنزه المشهور، وهو معلم رياضي لا بد لزائر تونس أن يزوره.

قال أبي أخاف عليكم، قلت له لا تخف أكمل في القطار أو انزل معنا واستقل تاكسي، قلبي لا يطاوعني على ترككما، وأنا عارف أن عرضي مغر جداً، خاصة وأن حياته كلها قضاها في مضامير الرياضة، وكنت قد أحضرت له كرت الجزيرة الرياضية ليستمتع بمشاهدة جميع الدوريات. دخل معنا للملعب، كان الخيالة يحرسون الملعب والشرطة تنظم الدخول إضافة إلى العاملين بالمركب.

استمتعنا بالأجواء الكرنفالية وبأربعة أهداف للإفريقي وأناشيد للإفريقي، وكان أحد الأخوة التوانسة جالساً على يميني أطلب منه ترجمة النشيد الفرنسي العربي، فأحياناً يفعل وأحياناً يجيبني الأفضل ألا أترجم لك هذا.

زرنا الدكتور وكان في انتظارنا يوم الاثنين بعد رحلات وجولات يومي السبت والأحد. فحصه ونظر أيضاً لما أحضرناه من صور، وقرر إجراء عملية بسيطة له يوم الأربعاء، تتمثل في حقن العين بدواء معين، ونصحنا بأن نجلبه من ليبيا على أول رحلة، وهو مجاني في ليبيا.

سألته وهل هو متوفر عندهم، أجاب بنعم وكم تكلفته، خمسمائة دينار تونسي، وبعدها هل تصلح عين أبي؟ قال لي ما أخبركم به الدكتور الليبي حقيقة، لكن هذه الإبرة مع عمل ليزر ونظارات تجعل الحالة لا تتدهور. وسيحتفظ في أسوأ الظروف بمستوى أفضل مما يرى به الآن.

ضحكت وقلت للدكتور وهل ترى ان خمسمائة أو خمسين ألف تساوي عين أبي؟ قم بإجراءاتك سنأتي الاربعاء، ونجري العملية، قال هناك أيضاً بعض المصاريف مثل حجز غرفة عادية، غرفة الجراحة، أجرة طبيب البنج، وغيرها، عليكم أن تتفاهموا بشأنها مع القسم المالي.. ذهبنا إليه ودفعنا المصروفات بالكامل، استعداداً ليوم الأربعاء.

الثلاثاء هو آخر الأيام التي سيستمتع فيها بالسياحة معنا، أخذت أبي إلى عدة أماكن خارج تونس العاصمة، وتغدينا خارجها وقدمنا لباب سويقة وباقي السوق القديم قبيل الثالثة لشراء هدايا خاصة، إنها ليلة الأربعاء، والخميس لن يتمكن من الخروج، والخميس مساءً سيكون الإياب لبنغازي. وكان لي تخطيط آخر ليوم الأربعاء.

أوصلناه قبيل الثامنة للعيادة ومكثنا معه نحو نصف ساعة، وبعد أن اطمأننا إلى أن كل الأمور تسير بصورة ممتازة، غادرناه إلى حديقة الحيوان الكبرى في تونس الكبرى، بدلاً عن الانتظار الممل في المصحة.

حين حجزنا تذاكر وجدنا التسعيرة أمام كل فئة، منها فئة "كهل" فاضطررنا إلى سؤال "الكمسري"، بائع التذاكر عن أي فئة نختار سألنا عن أعمارنا قلنا في الثلاثينات، قال أنتم كهول! "طيب" كهول كهول أعطنا تذكرتين.

بقينا في الحديقة إلى ما بعد الثانية ظهراً وتناولنا الغداء فيها وقفلنا راجعين على أساس أن عند وصولنا سنأخذ الوالد ونعود للفيلا. وفي التاكسي تم الاتصال بزوجتي وقد تركت رقمها عندهم، اعطتني الموبايل، ليخبروني أن والدي رافض إجراء العملية وفوقها ضغطه مرتفع.

أسرعنا للعيادة وجدناه في "بالطو" العمليات الأزرق وبجواره "كهل ستيني" من طرابلس. فرح والدي كما طفل صغير خائف جاءه أبواه ليذهبا عنه الفزع. كان والدي طيلة حياته رياضياً وتلكم أول مرة يمرض فيها، وهو غير متعود على المرض، بل انه لذلك الوقت كان محافظاً على الرياضة لنصف قرن، حتى أنه غافلني مرة خوفاً من نصحي، واشترك بماراثون وعمره يقارب الـ55 عاماً وأكمل الـ25 ميلاً، نحو 42 كم.

سايسناه ومازحناه وقمنا بالضحك على خوفه وأخبرناه من النوادر، وطلبنا قياس ضغطه فإذ به طبيعي، فصعدنا معه إلى ما قبل غرفة العمليات، ووخزوه في عينه وخرج بقطنة كبيرة عليها "علقنا" عليها ومازحناه، ومساء الخميس قفلنا راجعين، ليذهب به شقيقي الدكتور لمصر لإجراء جلسات ليزر مطولة ختمت بتصميم نظارة خاصة.

لاحظت في جل التنقلات بالتاكسي أو الحديث مع المواطنين، برما وسخطا معلنين على من يسمونها "الحجامة" ويقصدون ليلى الطرابلسي، والأكثر عائلة الطرابلسية.

دلالات