نحو أطروحة القضايا المهمة مقابل الملحّة

06 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تنطلق هذه الورقة من تساؤل رئيسي: لماذا نظرت بعض القوى اليسارية على أن "الثورة" و"المقاومة" مفهومان متقابلان، وحتى متناقضان، بدلا من أن يكونا متكاملين؟ أصبح هذا التساؤل ملحّا بعد حضوري مؤتمر جمعية أميركا اللاتينية لعلم الاجتماع (ALAS) في مدينة ليما (البيرو)، لأجد أن أمراض اليسار في بلادنا العربية لا تختلف عن أمراض نظرائه في أميركا اللاتينية. 
إذا كان الوضع العالمي والجيوبوليتيكي والمحلي في مرحلة النيوليبرالية والرأسمالية المتأخرة قد فرض تغيراتٍ جمة على وضع الإنسان، فكيف يمكن التعامل اليوم مع مطالب الشباب في لبنان وفلسطين واليمن والبحرين والجزائر وهونغ كونغ وتشيلي والمهاجرين في أوروبا، في سياق نضالهم الطبقي أو الهوياتي الوطني أو الإثني. جاءت المقاربة التقاطعية (intersectionality) للتأكيد على خطأ الفهم الكلاسيكي الماركسي الذي اعتبر أن الصراع الطبقي هو الوحيد في كل مكان وزمان داخل مجتمعاتنا، وطلبت هذه النظريات بالتعامل مع تناقضات لها طوابع أخرى، وضرورة الربط بينهم، وأن لا يتم ذلك إلا تبعا للسياق الزماني - المكاني (ولو أنها فشلت جزئيا). ما نشهده اليوم هو حالة نكوصية يتم الخلط فيها بين ما هو مهم وما هو ملحّ، فإذا كان الصراع مع العدو الصهيوني مهماً، كما هي العدالة الاجتماعية والمواطنة والمساواة الجندرية واحترام حقوق الإنسان، خاصة الأساسية منها، فإن في كل لحظة زمنية هناك ما هو ملحٌّ من بين كل هذه المطالب المهمة. كما أن ما هو ملحٌّ في مكان ما يمكن أن يكون مهما فقط في مكان آخر، حتى ضمن الدولة الوطنية.
المشكلة في بعض قوى اليسار هي في تبنّي الطرح الماوي حول التناقض الرئيسي والتناقض 
الثانوي، والذي يحقّبُ له في مراحل كبرى: ضد الخارج الإمبريالي ثورة وطنية، وضد المرحلة ما قبل رأسمالية ثورة ديموقراطية، وضد السيطرة الرأسمالية ثورة اشتراكية. وتشكّل هذه الحقب النظرة الاستراتيجية لما هو رئيسي وما هو ثانوي. المشكلة في هذا الطرح هي التحنط في التاريخ، وإضفاء ماهيات على هذه الحقب الكبرى. أي كأن علينا اعتبار الصراع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية العالمية أنه الصراع الرئيسي منذ 1948، و"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، حتى لو كان النظام "التقدّمي المقاوم" في سورية دمويا يستخدم التعذيب للمعارضين السياسيين حتى موتهم. كما أن على الشعب اللبناني تحمّل فساد "المقاومين"، أو على الأقل تغطية هؤلاء على فساد حلفائهم، تحت اسم التناقض الرئيسي مع الإمبريالية. وفي حواراتي مع بعض الزملاء في أميركا اللاتينية عن الانقلاب العسكري على رئيس بوليفيا المخلوع، إيفو موراليس، ذكرت لبعض اليساريين الموتورين أنه لا تكفي فقط إدانة هذا الانقلاب، ولكن أيضا إدانة رفض موراليس نتائج الاستفتاء (حول إلغاء تحديد عدد المرّات التي يحق بها للترشّح للانتخابات). وقد انقسم اليسار اللاتيني أيضا بشأن الوضع في فينزويلا، بعد استئثار الرئيس نيكولاس مادورو بالسلطة على شاكلة سلفه هوغو شافييز.. في كلا الوضعين في بوليفيا وفينزويلا، يبقى السؤال: لماذا لم يعدُّ الزعيمان، موراليس ومادورو، رجلا ثانيا في كل من حزبيهما، للترشح بدلا منهما عندما تنتهي ولايتهما؟ لماذا الاستئثار بالسلطة وشخصنتها في أحزابٍ كثيرة، ولكن خصوصا في قوى اليسار (بما فيها الرئيس السابق لويس إيناسيو لولا في البرازيل)؟ يُسأل السؤال نفسه لهذه الأنظمة "التقدمية" في كل من سورية واليمن، وكذا إلى الأحزاب التي تتوارث قيادة الأحزاب؟ لماذا لا تكون هناك إمكانية للمقاومة في ظل أنظمة ديمقراطية؟ إذا، الإشكال الرئيسي هو ليس في التنظير لما هو التناقضين، الرئيسي والثانوي، وإنما بآليات سلطةٍ بائدةٍ كتب عنها ابن خلدون، وبعده ماكس فيبر، بأنها تعتمد على الكاريزما أو/ والعصبية القبلية/ العائلية، بدلا من الشرعية القانونية (أي الانتخاب من الشعب وتداول السلطة في إطار المواطنة والحريات الأساسية).
لماذا يريد "المقاومون" اعتبار التناقض الرئيسي هو تحرير القدس، بينما إنهاء نظام المحاصصة الطائفي، وإعطاء المرأة اللبنانية حقها بمنح جنسيتها إلى أبنائها، وإعطاء اللاجئين الفلسطينيين الحقوق الأساسية، مثل حق العمل والتملك، ...، تناقضات ثانوية يجب تأجيلها؟ كل هذه التناقضات مهمة، ولكن الملحّ فيها اليوم ليس هو الملحّ البارحة، والملحّ هنا هو ليس أكثر من مهم 
فقط هناك. لا يمكن أخذ الشعوب العربية رهائن للصراع العربي - الصهيوني باعتباره الصراع الرئيسي منذ ثلثي قرن، بينما استبداد الأنظمة ودمويتها دائما ثانويان (طبعا ما عدا ثورة البحرين!) بانتظار يوم التحرير؟ لا يمكن الاستمرار في إيجاد ثنائيات حادة ذات ماهية (وطني/ خائن، مقاوم- ممانع/ عميل، إمبريالي/ وطني، غرب/ شرق، علمانية/ إسلاموية، حداثة/ تراث، عقلاني/ لاعقلاني، تقدمي/ رجعي)، لادعاء أن طرفا فيها هو الفاعل في التناقض الرئيسي، والطرف الآخر هو الفاعل في التناقض الثانوي. لا يمكن الاستمرار في النظر إلى الآخر عدوا أزليا وكائنا تاريخيا لنا موقف منه حتى زواله. وعندها ننتقل إلى عدو آخر كان متمتعا بوضعيته عدوا ثانويا. وهكذا رفع لاجئو مسيرة في مخيم شاتيلا في عام 2005 شعار "حق العودة بس بدنا نعيش". أي أنهم فهموا أنه لا يمكن "تخديرهم" عن حقوقهم الاجتماعية - الاقتصادية باسم حق العودة، فهذه الحقوق كلها مهمة، ولكن حقوقهم الاجتماعية - الاقتصادية هي الملحّة اليوم. فلا يمكن انتقاد هؤلاء اللاجئين بأنهم يخلطون في هذا الشعار بين الرئيسي والثانوي. ما هو ملحّ اليوم في مخيم شاتيلا هو غير ما هو ملحّ في قطاع غزة في نضال أهلها لإنهاء الاحتلال والحصار الإسرائيليين.
أخيرا يمكن التساؤل: من سيحدد "المهم" و"المُلِح" في سياق ما؟ فقط هو الجدل المسلح بالتفكير النقدي والأخلاقي الذي يأخذ في الاعتبار مخرجات البحث العلمي والنقاشات التي تتجاوز الحجج "القانونية" نحو "المقاربة الأخلاقية"، بعيدا عن ماهيات محنطة لتحديد الآخر بأنه "عدو" أو "خائن" أو "كافر". وإذا كان الإنسان محكوما، ولو جزئيا، بمصالحه المادية والطبقية والهوياتية، يبقى الحوار هو الوسيلة الرئيسية لتوسيع مجال ما يسمّيه جون رولز "التوافق المتداخل" (Overlapping Consensus) لتمييز المهم من الملحّ. والتداخل هنا يعني محاولة الوصول إلى توافق (ولو نسبي)، حتى لو أننا نختلف مع بعضنا ثقافيا أو دينيا أو طبقيا. لقد فشلت المقاربة التقاطعية في تطبيقاتها، وفي فهمها العام في القيام بعملية توسيع قاعدة التوافق، فهي لا تدعو إلى تشابك القضايا، وبذلك توسيع معالجتنا لضحايا عدة، بل انتهت إلى التركيز على "الضحية الكبرى"، وإعطائها الأهمية الأخلاقية الأولى في التحليل، وليصبح كل من لا يتعامل معه أنه الضحية الأولى على أنه الآخر العدو، أو العميل للخارج. لم يعد الخارج خارجا ولا الداخل داخلا، إذ فقدت فكرة الولاء للخارج غالبا معناها في ظل العولمة، وفي ظل توق الإنسان الى إنسانيةٍ، تتجاوز حدود الدولة الوطنية، خصوصا عندما تكون هذه الدولة استبدادية ودموية.