نحو آليات مشروع وطني فلسطيني مقاوم .. تعقيباً على معين الطاهر

17 ابريل 2020
الصورة

علم فلسطين في إحدى مسيرات العودة في غزة (15/2/2019/Getty)

قدّم الكاتب معين الطاهر تصورا مهما لـ "مشروع وطني فلسطيني مقاوم"، في مقالته المطولة بهذا العنوان في "العربي الجديد" (1 إبريل/ نيسان الجاري)، يتقاطع فيه مع كتابات وتصورات كثيرة وضعت في هذا الشأن، ومنها "رؤية وطنية فلسطينية" ومشروع "إعادة بناء منظمة التحرير"، والتي قدمها "ملتقى فلسطين" الذي يضم مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين. وليست هذه المقالة/ الورقة للرد على معين الطاهر، أو على تصورات الملتقى، وإنما هي للبناء على ما تم تقديمه بمحاولة للانتقال من الرؤى والتصورات إلى الآليات التي يحتاجها المشروع الوطني، حيث لا يختلف الكثيرون على الأهداف الوطنية العامة المتمثلة بالتحرير ودحر الاحتلال وتفكيك نظام الأبارتايد الإسرائيلي، ولكن الصعوبة والخلاف في الإجابة على السؤال المتعلق بكيفية قيام الشعب الفلسطيني بذلك، من حيث تحديد الآليات والاستراتيجيات العامة للعمل الوطني. 
منظمة التحرير
يكاد لا يختلف اثنان، بمن فيهم أقطاب الانقسام الفلسطيني، على أن الآلية المناسبة ل "لمّ الشمل الفلسطيني المقاوم" تتمثل بإعادة منظمة التحرير الفلسطينية على أسس وطنية جديدة، وذلك بعد سنوات من التهميش ونقل الصلاحيات التاريخية منها إلى السلطة الوطنية الفلسطينية.
أولاً، إعادة بناء منظمة التحرير على أسس وطنية: إعادة بناء منظمة التحرير هي الآلية الأنسب لترجمة رؤى المشروع الوطني الفلسطيني، وتكمن أهمية هذا الأمر في الشرعية التاريخية لمنظمة التحرير، وفي الاعتراف الدولي الذي تحقق للمنظمة نتيجة نضالات وطنية فلسطينية على مدى عقود. ومنظمة التحرير الفلسطينية، باختصار، هي الإطار الذي يمكن من خلاله إنهاء الإنقسام الأسود وتجميع العمل الوطني ضمن إطار محدّد وهيكلية واضحة، ناهيك عن أن المنظمة تتجاوز عقبة "السيادة" التي تقيد السلطة الفلسطينية، باعتبارها (السلطة) عاملة تحت سقف الاحتلال، حيث يمكن للمنظمة العمل من الخارج، من دون الحاجة إلى تصاريح إسرائيلية للمغادرة والعودة إلى الوطن. وهناك على الأقل ثلاث مدارس رئيسية تتناول الكيفية التي يمكن من خلالها إعادة بناء منظمة التحرير:
1- المحادثات المباشرة بين الأحزاب الفاعلة على الساحة الفلسطينية. جرت محادثات كثيرة في 
العقدين الماضيين، سواء بين الفصيلين الرئيسيين، حركتي فتح وحماس أو باشتراك الأحزاب والحركات السياسية الأخرى. وتم التوصل إلى تفاهمات عديدة، نتيجة لهذه المحادثات، وللأسف بقيت كلها حبرا على ورق. والمشكلة في هذه المدرسة أن المحادثات بين الأحزاب السياسية تخضع لقواعد المحاصصة والصفقات السياسية، وليس بالضرورة بمحدّدات المشروع الوطني، فكثيراً ما كان النقاش يغرق في عدد مقاعد كل فصيل سياسي، وأي اللجان يتولى مسؤوليتها أي حزب، وعدد المقاعد في المجلس الوطني ومجلسه المركزي، وإلى غير ذلك من حصص الفصائل السياسية في منظمة التحرير.
2 - مبادرات فردية ومؤسساتية تقوم بها جهات حريصة على الوحدة وإنهاء الانقسام، وهي مبادرات مهمة، خصوصاً أنها تأتي عادة من قياداتٍ ذات تاريخ نضالي، وتربطهم بقيادات الفصائل علاقات شخصية، وأيضاً علاقات عمل وطني، ما يُحدِث مجالا للتأثير في القرارات السياسية للفصائل، خصوصاً فيما يتعلق بإنهاء الانقسام أو إعادة بناء منظمة التحرير. وُجد كثيرون من هذه المبادرات في السنوات السابقة، ولكن هناك ثلاثة تحديات رئيسية لهذا النوع من المدرسة: أولاً، نقص عامل الديمومة والمنهجية في هذه المبادرات، فبعضها ينتهي بعد الجلسة الأولى أو الثانية، ومنها ما ربما تصطدم بمراوغة الفصائل التي تدّعي كل منها حرصها على إنهاء الانقسام، وكأن هؤلاء الوسطاء أو المبادرين هم من يقفون عقبة أمام الوحدة. ثانياً: عدم وجود التنسيق ما بين هذه المبادرات، وهذا مفهوم على اعتبار أن مصادرها متعدّدة، فالمحصلة تصبح إعادة ما قام به الآخرون وتكراره. ثالثاً: عدم وجود تراكمية في العمل، حيث لا تبنى المبادرات التي تقوم في المستقبل على ما تم إنجازه سابقاً، ولو الشيء البسيط، بل تستنسخ التجربة السابقة، أو ما يطلق عليه "إعادة اكتشاف العجلة".
3 - الضغط الشعبي على الفصائل الرئيسية لإنهاء انقسامها، بحيث يكون هناك تحرّك واسع، ليس فقط من المستقلين، ولكن أيضا من قواعد الأحزاب نفسها للضغط على القيادة. نظرياً هذا الطرح جائز، ولكن عملياً لا يعدو كونه تفكير تمنٍّ، فقد تعايش "الضغط الشعبي" مع أكثر من 13 عاماً سوداء من الانقسام وما زال، لا بل اعتادت القواعد على الانقسام، واستفاد منه كثيرون، سواء على المستوى الشخصي أو الحزبي، ولربما يوقِف الأفراد أو قيادات الوسط أنفسهم من يريد إعادة بناء منظمة التحرير، على اعتبار أن ذلك يعني خسارة بعض امتيازاتهم، عندما ينتقل القرار الوطني من سلطةٍ تحت الاحتلال إلى الخارج، وكذلك، ببساطة، لأن بعضهم سيخسر مقعده في مؤسسات منظمة التحرير، عندما تدخل الفصائل الأخرى ويمكن رؤية دخولها هذا "اقتساما للغنائم"، فمن سيبادر إذا، وينظم ضغطا شعبيا على القيادات، إذا كانت القيادات الميدانية نفسها مستفيدة.
وقد أمكن، عبر مفاوضات المحاصصة السياسية بين الفصائل، أو من خلال المبادرات الفردية 
والمؤسساتية، ملاحظة الوصول إلى تفاهمات واتفاقات عديدة بشأن إعادة بناء منظمة التحرير، ولكنها جميعها ذهبت أدراج الرياح، لا بل رفعت من مستوى اليأس والإحباط من إمكانية تنفيذ اتفاق على إعادة بناء المنظمة. من هنا، أصبحت آلية تنفيذ المشروع الوطني، المتمثلة بإعادة بناء منظمة التحرير، أيضا، بحاجة إلى آليةٍ لتنفيذها، ما يقود إلى النقطة الثانية في عملية البحث عن آليات النهوض بالمشروع الوطني.
الحوار الوطني
ثانياً، الحوار الوطني: أساس الانقسام الفلسطيني وتعطيل مؤسسات المشروع الوطني مثل "إعادة بناء منظمة التحرير" هو الاختلاف في الرؤى حول البرنامج السياسي، للتعامل مع مرحلة ما بعد فشل أوسلو. هناك كثيرون ممن يحمّلون الفساد في قيادة الفصائل مسؤولية الانقسام، وهذا ليس صحيحا كلياً، ولا خاطئا كليا. ما هو واضحٌ أن الفساد موجود بحدود معينة، ولكن ليس بالفساد وحده يحيا الانقسام، إذ لا بد من وجود شروط موضوعية له، حتى يستطيع "الفاسدون" تبرير فسادهم.
جذور المشكلة في تعطيل المشروع الوطني الفلسطيني، وفي بناء مؤسساته، إذاً تكمن في عدم الاتفاق على رؤية وطنية وانقسام على البرنامج السياسي، وهذا يصعب حله من دون الدخول في حوار وطني ذي منهجية واضحة، وممثل جميع القوى السياسية الفاعلة على الساحة الفلسطينية. والغريب أن تاريخ العمل الوطني الفلسطيني حافل بالتجارب السياسية، ولكنه يخلو، أقله منذ توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين منظمة التحرير وإسرائيل (اتفاق أوسلو) في العام 1993، من حوار وطني ممثل، يستطيع صياغة رؤية للعمل الوطني بعد فشل "برنامج أوسلو". لقد عمل ياسر عرفات، بعد أن أدرك فشل اتفاق أوسلو عام 2000، على اللجوء إلى برنامج عمل وطني مسلح، كما كان عليه الحال قبل أوسلو، ولكن هذا النهج فشل هو الآخر بعد انتهاء الانتفاضة الثانية. ومنذ تلك اللحظة، لا توجد رؤية وطنية، ولا برنامج سياسي متفق عليه وطنياً، فولد الانقسام مباشرة بعد ذلك عام 2007. وهناك محادثات واتفاقات كثيرة تم التوصل إليها بعد ذلك، مثل اتفاقيات مكة والدوحة وصنعاء والقاهرة، وحتى اتفاق الشاطئ (إبريل/ نيسان 2014)، وهناك مبادرات فردية والمؤسسات المستقلة، ولكن ليس لهذه المحاولات جميعها علاقة بالحوار الوطني الممنهج والشامل، أي الممثل للخريطة السياسية الفلسطينية.
ولإدراك شكل الحوار الوطني المتحدث عنه هنا، وتحتاجه الساحة الفلسطينية، لا بد من الاستشهاد بالتجربة التونسية مثلاً، وقد شارك في تجربة الحوار الوطني فيها حوالي ستين حزبا سياسيا 
وخمسين منظمة مجتمع مدني، واستمرت عامين، استطاعت بعدها وضع خارطة طريق للانتقال السياسي في تونس، وفكّكت أزمات سياسية بين الأحزاب الرئيسية الفاعلة على الساحة الوطنية، وانتهت بالحصول على جائزة نوبل المرموقة. من قام بالتجربة ورعى الحوار هناك كانت منظمة عمالية ذات تاريخ وطني، الاتحاد العام التونسي للشغل، والتي جاءت بالأحزاب السياسية التونسية إلى طاولة الحوار الوطني، حيث قاوم بعضها الحوار بشدة، ولكنه انضم لاحقاً وشارك واتفق والتزم بمخرجات الحوار.
من يقوم بمثل هذه التجربة في الحالة الفلسطينية إذاً هو ليس الأحزاب السياسية نفسها، والتي يحكم عملها الصفقات والمحاصصة، ولا مبادرات فردية قصيرة الأمد، تعقد اجتماعا هنا وتنظم ورشة عمل هناك، وإنما الحاجة هي لمؤسسة مجتمع مدني ذات حضور وطني راسخ، وقادرة على رعاية حوارٍ كهذا، ضمن منهجية واضحة، وبرنامج عمل متكامل، ومتواصلة فترة طويلة قد تأخذ أكثر من عام. لقد اصطدم الاتحاد العام التونسي للشغل بأحزاب سياسية كثيرة كالت له اتهاماتٍ غير قليلة، وقاومت عمله، ولكنها في النهاية حضرت إلى طاولة الحوار الوطني، وعملت بمخرجاته والتزمت بها.
وحتى لا نغرق كثيراً في تفاصيل التجربة التونسية، وربما مجادلة بعضهم، باختلاف الإطار عنه في الحالة الفلسطينية، لا بد من التذكير بأن تجربة حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) كان قد أطلقها تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني والدولي، فالحالة الفلسطينية إذا ليست غريبة على هذا النوع من العمل، ففي وسع تحالف مبادرات ومنظمات غير حزبية سياسية فلسطينية تبني هذا النوع من الحوار الوطني الشامل والممنهج ورعايته. ضروري التذكير أن صياغة الشرعيات السياسية وغيرها في أي مجتمع تأتي من خلال اتفاق مجموعة من اللاعبين على مجموعة مبادئ معينة، تشكل بعد ذلك مرجعيةً لنقاشاتٍ كثيرة، ومنهجية عمل أيضاً، خصوصاً إذا نجحت في استقطاب لاعبين آخرين لها.
ثالثاً، لا مركزية نضالية: تناولت في مقال سابق (اللامركزية النضالية للمشروع الوطني الفلسطيني) في "العربي الجديد" (22/2/2019)، هذه الآلية، وكيف يمكن تفعيلها للخروج من حالة الجمود التي يعايشها المشروع الوطني الفلسطيني. والفكرة هنا أن هناك فراغا قياديا هائلا لا بد من ملئه بطريقةٍ ما، إذ ليس من الضرورة توقيف عجلة المشروع الوطني، حتى تتفق الفصائل على إنهاء انقسامها. فلا بد للاعبين جدد من ملء هذا الفراغ، والمقصود هنا النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني والتجمعات الفلسطينية على اختلاف مشاربها. لا يحدث التغيير فقط بطريقةٍ مركزيةٍ تفرضها القيادة على قاعدة الهرم، لا بل تقوم قاعدة الهرم بفرض معادلتها، في أحيانٍ كثيرة، على القيادة الرسمية.
المجتمع المدني
على سبيل المثال، ما الذي يمنع محامين فلسطينيين تحديداً في الشتات من تشكيل جمعيات قانونية 
متخصصة في متابعة قضايا المشروع الوطني، والبدء برفع قضايا محاكمة الاحتلال وقياداته في محاكم مختلفة من العالم. لا يحتاج تجمع من هذا النوع إلى موافقة الرئيس محمود عباس ولا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، ولا يستطيعان إيقافه. تاريخياً، يتم الحديث عن الاحتلال أنه لا يسمح، وأيضاً لوم القيادة الفلسطينية لأنها متنفذة ومحتكرة لقيادة المشروع الوطني. ليس تبرئة للاحتلال أو للقيادة المتنفذة، ولكنهما لن يوقفا حركة محامين فلسطينيين، تأخذ على عاتقها مبادرة كهذه. والأمر لا يتوقف على المحامين، وإنما يمتد إلى فئات أخرى، منها رجال أعمال فلسطينيون، لتشكيل شبكات أمان مالية للعمل الوطني، ولدعم تحرّكات عملية كما المحامين الفلسطينيين إذا ما رفعوا قضايا لمحاكمة الاحتلال الإسرائيليي. وأيضاً، هناك خبراء اتصالات وإعلام فلسطينيون في شتى بقاع الأرض، ويمكن لهم التحرك في المجال الإعلامي بطريقة لا مركزية.
وهنا من الضروري جدا التذكير بأن أشكال العمل الوطني الفلسطيني، أو ما يسمّيها معين الطاهر في مقاله "الحلقة المركزية"، قد اختلفت اليوم عما كانت عليه أيام معارك بيروت في صيف 1982 واتفاق أوسلو وحتى الانتفاضة الثانية. لقد تحولت ساحات العمل الوطني من العرقوب ومثلث خلدة إلى الجامعات الأميركية والأوروبية (جزء منها)، وتحولت الوسائل النضالية من الكلاشينكوف إلى "تويتر" و"يوتيوب"، واستبدلت البيانات الثورية العاطفية الرنّانة بالمقالة العلمية المدعومة بالدليل، وكل هذا التغيير يصبّ في خدمة "اللامركزية النضالية" التي يعايشها المشروع الوطني اليوم، والتي لا تحتاج موافقة قيادة رسمية للقيام بها.
أخيراً، وحتى تتكامل آليات العمل الوطني الفلسطيني فيما بينها، وتتحوّل إلى واقع ممكن، لا بد من حملة هادفة لرفع مستوى الوعي بها مجتمعياً، وبقدرتها على التأثير في هذا الواقع المليء بالإحباط. وهنا يأتي دور الأفراد، وخصوصا قادة الرأي والمفكرين والكتاب، لمخاطبة الرأي العام، للتأثير به، وتوجيهه نحو الخيارات المتوفرة لديه، وحتى لا يبقى حبيساً لثنائيات حزبية ملّ من انقسامها، وفقد الأمل بقدرتها على قيادة المشروع الوطني نحو التغيير. وضروري الإشارة أيضاً إلى أن قادة الرأي لن يكونوا في حاجة لموافقة القيادات الرسمية أو الحزبية، للتواصل مع مجتمعهم، ولن يستطيعوا منعهم عنها، فالكرة في ملعبهم هم أيضاً.