نحن وما نتصور أنه نحن

27 ابريل 2019

لعل أحد أكثر الأسئلة التي شغلت الكائن البشري واستحثت تفكيره على مر العصور هو سؤال المعنى، أي المعنى الذي يمكن أن نعطيه لمختلف سلوكياتنا في هذه الحياة، والماهية التي سيتأسس عليها وجودنا الذي تتجاذبه الرغبة في اللذة والرهبة من الألم.

والحقيقة أن حاجتنا كبيرة في بلداننا العربية في هذه الظرفية من تاريخنا الحضاري إلى هذه الوقفة مع سؤال المعنى، بالنظر لما تعرفه حياتنا من تغيرات عميقة تنتصر لكل ما هو مادي على حساب ما هو قيمي ومعنوي، وبالتالي ما ينتجه ذلك من مظاهر اغتراب عن الذات في مستواها الفردي وكذلك الجماعي.

من دون شك، إننا نعيش في الشق الاقتصادي والتنموي حالة متقدمة بالمقارنة مع الماضي، لكننا لا نستطيع أن ننكر مع ذلك أننا لا نزال في حالة تخلف، في الواقع نحن نعيش حالة بين بين، في مرحلة انتقالية بين الماضوية والتقدمية، منتجات الحداثة ومظاهر الانفتاح والنمو تبدو جلية في واقعنا اليومي. وفي الوقت ذاته، منتجات التقليد ومظاهر الانغلاق والفقر لا تقل عن ذلك جلاء. ومن هنا تتمخض وضعية التيه التي تعصف بنا فتدخلنا في حالة من الوجود الزائف.

ومن أهمّ مظاهر هذا الوجود الزائف إيهام أنفسنا بصور خادعة عن ذواتنا وتبني تمثلات ذاتية خاطئة، إنها معضلة نجد لها صدى في مختلف أنماط تفكيرنا وتعاملاتنا.

لننظر إلى تديننا على سبيل المثال، ستجدنا نتصور أننا ورعون وأتقياء لمجرد أننا نحافظ على بعض المظاهر الدينية وبعض العادات التي ألبسناها لبوسًا دينياً. في حين أنّ سلوكاتنا قد تسير في اتجاه مناف لكل ما هو ديني، دون أن نستشعر والحالة هذه أن فضيلتنا المحروص عليها ليست سوى فضيلة سطحية لأنها تفتقد للبعد الروحي والأخلاقي.

في نفس الاتجاه تجدنا نتصور كذلك أننا متسامحون لمجرد أننا نستقبل بابا الفاتيكان بين ظهرانينا، وتهرع الكاميرات إلى الأرصفة لتأخذ تصريحات المواطنين التي تفوح انفتاحاً على الآخر. والحال أننا لو سألنا نفس الأشخاص المستطلعين عن رأيهم في الإسلام مقارنة مع باقي الأديان لقالوا إن ديننا هو الصحيح والآخرون في ضلال، وبأن مفاتيح الجنة محجوزة لنا دون سوانا من القوم الضالين.

هنا نتلمس نفس الصورة المتوهمة عن الذات، تسامح صوري واحتكار للحقيقة في خلفية الصورة. في جانب آخر لننظر إلى الحب مثلا، نحن شعوب تتغنى بالحب صباح مساء والمسلسلات الرومانسية تملأ قنواتنا التلفزيونية.

ومع ذلك ستجد أننا في واقعنا أبعد ما نكون عن استحضار قيمة الحب في علاقاتنا الإنسانية عموماً، وفي العلاقة بين الرجل والمرأة على وجه الخصوص، بل إنه ليمكن القول إننا لم نبلغ بعد ما يكفي من الرشد الإنساني لوعي مفهوم الحب، كيف لا ومجتمعاتنا، بذكورها وإناثها، تعتبر المرأة كائناً ناقصاً يستدعي الرعاية والوصاية، وأداة متعة يقتضي الحصول عليها دفع ما تتطلبه من مقابل مادي. وهكذا وفي الوقت الذي ندعي فيه أننا نتوق إلى الحب، في واقع الأمر، قليل من هم منا المحِبُّون.

لائحة ادعاءاتنا في ما يتعلق بتصوراتنا الواهمة عن أنفسنا لا تنتهي، ففي صراعنا من أجل البقاء مثلاً والذي لا يخلو من نزاعات دائما ما ننشد غلبة موقفنا أمام من هم في مستوى قوتنا أو أضعف منا، ونحن نسمي هذه الغلبة عدالة، لكن حين نصطدم بمن هم أقوى منا فإن الموقف يختلف. هنا نقدم فروض الولاء والطاعة في تزلف ومحاباة، نسميهما هنا أيضاً عدالة، لنخدع أنفسنا ونكذب عليها في الحالتين، حيث المصلحة هي فقط ما يحركنا ولا عدالة البتة هناك.

يقال بأن الصدق والكذب قد التقيا في مرة، فقررا أن يذهبا إلى الناس لأخذ انطباعاتهم عنهما، وكان أن الناس يكونون أكثر راحة عندما يظهر بينهم الكذب، بينما إذا ظهر الصدق اغبرَّت وجوههم. كان لسان حالهم يقول: لا تتركنا أيها الكذب فمعك نستطيع أن نعيش في سهولة ويسر، بينما أنت أيها الصدق لا نراك تحمل لنا إلا القلق وتجبرنا على الخصومة والنزاع مع أنفسنا ومع الآخرين.

ولذلك كله أصبحنا في حياتنا اليومية محترفين في ابتكار التسويغات الالتفافية التي تسعى لإخفاء واقعنا الحقيقي واستبداله بآخر مزيف. ولا يهم بعد ذلك الوسيلة طالما الغاية هي جلب حالة رضى وإن كانت مستعارة عن ذواتنا، وليس يهم أن نضحي في سبيل ذلك بطمس الحقائق، أليس يقول فرديريك نيتشه وإن في موضوع وسياق مختلفين: ''ليس هناك حقائق، بل فقط تأويلات''، فلنترك الحقائق جانباً إذن، ولنسبح في بحر التأويلات التي تنتج حقائق زائفة، على ألا ننسى أن الحقائق والحقائق الزائفة هي كالنسور والغربان، النسور ترقى فوق قمم الجبال، بينما الغربان تبقى تعشش وحدها في الحفر.

دلالات