نحن نعلم ماذا فعلت في صيف 2013

19 اغسطس 2020
+ الخط -

بعد أن سلك عبد الفتاح السيسي طريق اللاعودة بانقلابه، وارتكابه مجازر كان أكثرها وحشية وهمجية تلك التي نفذها في رابعة والنهضة؛ صار الشجر والحجر يصرخ في وجهه: (نحن نعلم ماذا فعلت في يونيو، وأغسطس 2013).

بحثت في حيل الدفاع النفسي لأعرف كيف يمكن أن يتعايش بشري مع هذا الكم الرهيب من جرائمه، فوجدت المنقلب قد استهلك تقريباً كل الآليات الذهانية وغير الناضجة والعصابية ليتمكن من ذلك؛ احتاج المخلص لمن يخلصه فلجأ لدفاعات فرويد وابنته آنا، وتخطاها لتقسيم فايلانت ليحظى بسلام نفسي يمكنه من استكمال رحلة قطار لا يستطيع إيقافه حتى لو رغب، سأقص عليكم بعض "حيل السيسي الدفاعية"، التي قد تتحول بفضله إلى تصنيف قائم بذاته:

1. الإسقاط التوهمي: يعتقد السيسي أن ملياراً ونصف مليار مسلم يضطهدون بقية سكان الكوكب؛ فنصب نفسه خضراً،كلمته هي أمر الله في المسلمين، فلا يحاسب على خرق سفينة، ولا يسأل عن روح تزهق.

2. الإنكار الذهاني: يعيش وهم استتباب الأمر له، والسيطرة على مقاليد الأمور، والحقيقة أنه يرتعد من قاعدة: "من خان يُغدر به ولو بعد حين".

3. التشويه: يبدو الواقع في غاية السوء، لذا فهو يلجأ إلى وهم أنه حقق سلسلة من النجاحات يعدها توفيقاً من الله، ودليلاً على أن ما اقترفه في 2013 لم يكن خطيئة.

لا ينهار الظالم للأسباب التي نراها فقط، بل ينحت سيل من الصراعات المظلمة قلبه ووجدانه، فيظل يقاتلها حتى تهلكه فيقع فريسة سهلة لما نراه من أسباب دنيوية ظاهرة تكتب مشهد نهايته

 

4. الكبت: كبت شعوره باحتقار العالم له، وألصق إثم مجزرة "رابعة" بمفوضيه من الشعب؛ وجعلهم مسؤولين عنها بإطلاق اسم النائب العام "هشام بركات"، (محاميهم الآمر بالفض) على الميدان والمسجد وكوبري يمر فوقهما غيّر معالم المنطقة؛ ولأن "من على رأسه بطحة" يتحسسها، تميز غيظا حين أخطأ رئيس هيئته الهندسية ولفظ اسم "رابعة" في حضرته؛ هو يعلم أنه قد ارتكب جرائم غير قابلة للمحو؛ لذا فليس أمامه سوى أن يمحو نفسه منها.

5. التبرير: يبرر انقلابه للعامة بأنه يحمي مصر من إرهاب محتمل، ومن مصير سورية والعراق؛ ويستمد استمراريته من تهديدهم بالضياع والفوضى.

6. النكوص: يستعيد ذكريات مراحل مبكرة في حياته؛ ويحيط نفسه بالشباب، ويركب معهم الدراجات ليعيش عمراً أصغر؛ يضع سيدات في مثل سنه في مقام أمه، ويغازل نساء مصر وكأنه في العشرين؛ يتحرك ويتحدث في لقاءاته بحماس الثلاثين وهو من قارب على السبعين!

7. الإسقاط: ليبعد شبهة طمسه الهوية المصرية وفرض أخرى إجبارية، اتهم جماعات ذات خلفية إسلامية بمحاولة تغيير شخصية مصر، ليتقبل المواطن صياغته الجديدة للهوية هرباً من تلك الجماعات.

8. رد الفعل العكسي: يغرق وسائل الإعلام بكلمات عاطفية ملتهبة مثل (أنا أحبكم، أنتم نور عيوننا، الشعب لم يجد من يحنو  عليه)، في حين أن أفعاله تغلي كراهية للمصريين؛ فهو يبيع أرضهم وثرواتهم ونيلهم، ويتسوّل باسمهم،ثم يعيرهم ويتهمهم بالفقر والعوز، ويصورهم للعالم كقطيع من الحمقى.

9. التقمص: طمح إلى الرئاسة، لكنه لم يكن يتخيل أن يتحقق الحلم؛ تقمص شخصية الزعيم، واختلط بعلية القوم من رؤساء دول، وسياسيين، ورجال أعمال؛ وحضر مؤتمرات دولية وعربية؛ فتحدثت صوره قبل مواقفه عن عدم استطاعته ملء موقعه كرئيس دولة في حجم مصر.

10. الإبطال: يختفي كل يوم مواطن أو اثنان قسريا، يظهران فيما بعد إما في أحد مقرات أمن الدولة حيث تلفق لهما قضايا جنائية، أو في مشرحة، أو قد لا يظهر أحدهما على الإطلاق؛ في المقابل ينفي السيسي عن قناعة تامة أن لديه معتقلي رأي.

11. الإنكار: لا يعترف أبداً بفشل، ولا يتطرق إلى مذابح تمت بأمره المباشر، ولا يشير إلى انقلابه سوى برموز، ولا يذكر اسم الرئيس مرسي ولا جماعته ويكتفى بشفار مبهمة لا تصنع جملاً مفيدة.

12. الانشقاق: حاول الهروب من واقع 2013، وخلق عالماً جديداً ينسي الناس به ماضيه عبر عملية تبييض وجه تعاقد من أجلها جهاز مخابراته مع شركات عالمية، وتخلص من الزعامات التي أعانته على الانقلاب،كما استبعد قيادات في الجيش للتأمين وأحاط نفسه بآخرين.

13. الإزاحة: خرب ملفات أمن مصر القومي، وحتى لا يشار إليه كمتسبب في تلك الكوارث، يقوم بتوبيخ الحكومة، والمسؤولين، فيلجؤون بدورهم لتوبيخ الشعب الذي يقف مذهولاً كيف يلام وهو المجني عليه!

14. التسامي: أراد أن يصنع من نفسه إماماً مجدداً للدين لهذا القرن، دون أن يتهم بتشويه الفكر الإسلامي، لذلك تعمد تشويه الجماعات الإسلامية، واستبدال قيادات أزهرية بأخرى موالية له، وتقويض حرية الأفراد في فهم وممارسة شعائر دينهم إلا من خلال رؤيته، تحت شعار "تجديد الخطاب الديني".

15. التنفيس: عندما زاد الصراع بين واقعه وبين الصورة التي يريدها لنفسه، عبّر عن مشاعره بشكل مبالغ فيه، فأقسم مراراً أنه شريف، وصادق، وبريء، وقوي جداً، وثابت لا يهتز، وأنه لو كان يملك أن يباع لباع نفسه فداء للوطن.

قد يظن البعض أن الديكتاتوريين لا يصابون بتمزق نفسي لما يحيطون به أنفسهم من هالات ثقة بالذات، وامتلاك لزمام الحكم؛ إن نفوس الطغاة هي الأكثر هشاشة على الإطلاق لافتقارهم للأمان والسلام الداخلي، فمثلاً، فرعون مصر أرقته نبوءة، وهزته دعوة فرد، فجمع لها السحرة من كل أنحاء البلاد.

إن وجود الصالح في الحياة وحده كفيل أن يقض مضجع الطالح وأن ينغص عليه عيشه، وإن ذكراه حتى بعد موته تعكر صفوه. لا ينهار الظالم للأسباب التي نراها فقط، بل ينحت سيل من الصراعات المظلمة قلبه ووجدانه، فيظل يقاتلها حتى تهلكه فيقع فريسة سهلة لما نراه من أسباب دنيوية ظاهرة تكتب مشهد نهايته، وتسجلها كتب التاريخ.