نحن لسنا بخير

12 أكتوبر 2019
الصورة
نشجب ونندّد ونندب ونعترض، وربما نوقع بيانات إدانة. ونتضامن، ونكتب على مدوّناتنا الخاصة والعامة، ونحدّد مواقفنا ونختلف مع آخرين، نخوّنهم ويخوّنوننا، ونتشاتم، ونحظر، ونطلق ألقابا نابيةً بحق العالم والمجتمع الدولي، بغربه وشرقه. نعدّد أرقام الضحايا، وربما نضع بعضا من صورهم على صفحاتنا الزرقاء، ونُبدي قهرا حقيقيا لا مبالغة فيه ولا ادّعاء، فنحن ملسوعون ومصابون بأكبادنا من كل ما يجري في بلادنا. ما حصل في سورية صوّب طلقاته نحو المناطق القاتلة فينا، نحو قلوبنا وضمائرنا، ونحو وجدان كل منا. ما حصل ويحصل يتركنا مصابين بالعطب، ولا فرق بين من يعيش في سورية ومن هو خارجها. الخلل أصاب الجميع، لا أحد يمكنه ادّعاء النجاة، ربما من في الخارج نجا من الاعتقال أو القصف، أو من الموت بتفجير ما أو بطلقة طائشة، أو من أن يكون ضحية مجزرةٍ أهليةٍ أو مجزرةٍ قام بها محتل ما من الاحتلالات المتعدّدة، غير أنه لم ينج من التشظي والقهر والإحساس بفقد الأمان النفسي، ولم ينج من خوف الحنين ومن خوف الوحدة، ومن خوف الموت خارج وطنه، وبعيدا عن أرضه وبيئته الطبيعية، إذ ثمّة شيءٌ في الوجدان يبقى مكسورا، فالوطن ليس فقط حقوقا، لم تعرفها غالبية السوريين في وطنهم. الوطن أيضا أن يتذكّرك أحفادك بعد عقود بوردة على قبرك مثلا. الوطن ما يتشكل في الوجدان منذ الصغر، وما يبقى في الوجدان حتى لحظة الرحيل.
لسنا بخير الآن، ولكن هل كنا يوما بخير؟ هل ما نحن فيه من تناحر وتقاتل وخلافات حتى القطيعة يشي بأننا كنا يوما بخير، أو هل كنا يوما شعبا طبيعيا مثل باقي شعوب الأرض؟ بدأت ثورتنا عام 2011 بشعار "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد". هل كنا شعبا واحدا حقا؟ كنت في الأول الإعدادي في إحدى مدارس دمشق، حين أخذتني جانبا زميلة لي في الصف، لتسألني: هل صحيح أنك علوية؟ لن أدّعي وأقول إنني لم أكن أعرف ما أنا، لكنها كانت المرّة الأولى التي أتعرّض فيها لسؤال مباشر عن طائفتي. كان هذا قبل حوالي 45 عاما. كنت طفلة يومها، ومع ذلك كنت أعرف أن الأولاد الذين ألعب معهم في الحارة روم كاثوليك، ولا يحبون جيراننا الأرثوذكس، وأن السنة من سكان الحارة يمنعون بناتهم من اللعب معنا. كانت هناك عائلة كردية أيضا. سمعت تلك الفترة من أحد أقربائي أن الأكراد انفصاليون، فارتبط اسم الكردي في ذاكرتي بالانفصالي، من دون أن أعرف ما معنى ذلك.
كبرت وفهمت، وعرفت أن لا مانع لدى كثيرين من فئات المجتمع السوري من العيش في تجمعاتٍ مفروزةٍ طائفيا أو إثنيا. ألا يشكل هذا نواةً للنزعة الانفصالية، والتي تمظهرت بعد الثورة على شكل اصطفافاتٍ مخيفةٍ في اختلافاتها. وأدّت، شئنا أم أبينا، إلى ما يشبه الحرب الأهلية، حتى لو لم يكن السوريون المدنيون هم الفاعلون على الأرض فيها، ولكن انحياز كل فئةٍ مجتمعية إلى دولة محتلة ما، (إيران وروسيا وتركيا وأميركا، وهي دول متصارعة سياسيا في ما بينها، ولكل منها فيالقها التي يشكل السوريون العسكريون أكثرها، وهي تقرّر مسارات السياسة السورية ومستقبل سورية وأهلها المهجّرين واللاجئين، وتبني سيناريوهات المعارك وتحدّثها بناء على مصالح كل منها). أليس هذا الانحياز الفئوي السوري المتعدّد للاحتلالات المتعددة من أشكال الحرب الأهلية؟ هل من يمكنه إنكار ذلك؟
الاصطفافات التي اصطفها السوريون بعد الثورة أوقعت بينهم إلى حد القطيعة الكاملة، ما من مجتمع متجانس حقيقي يمكنه أن يتشرذم ويتفكّك بها الشكل بسبب السياسة. أقيم في القاهرة منذ سبع سنوات، وعلى الرغم من الخلافات السياسية المهولة بين المصريين، إلا أن هذا لم يجعل المختلفين منهم يقطعون إنسانيا واجتماعيا مع بعضهم بعضا. المجتمع المصري مبني على فكرة المواطنة منذ زمن طويل، وظل محافظا على هذا الإرث، على الرغم من كل ما حدث ويحدث. لم يعرف مجتمعنا السوري المواطنة يوما. هو مجموعات مختلفة، تعايشت بقوة أمنية، وبطش نظام قمعي مافيوي فاسد، عرف كيف يربّي مظلوميات متعدّدة في المجتمع السوري. يدفع السوريون ثمنها غاليا جدا. موت وتشرّد وكراهية وعنف وتشرذم واقتتال وضياع الوطن والمستقبل وفقدان أدنى تفاصيل الأمان النفسي التي تعين على العيش حياة طبيعية، لا حياة مليئة بالقهر والخوف والخذلان، كحياتنا نحن السوريين اليوم.