نجيب بلقاضي يُقارب التوحّد: إلحاح التواصل

04 يناير 2019
الصورة
"في عينيا" لنجيب بلقاضي: البحث عن خلاص روحي (فيسبوك)
يتناول "في عينيا" (2018)، الروائي الطويل الثالث للتونسي نجيب بلقاضي (1972)، مسألة تُشغل بال كثيرين في راهنٍ مخضّب بنزاعاتٍ، تتّخذ غالبيتُها سؤالَ الهوية والآخر حجّةً لها. المسألة غير ناشئة في الراهن، فهي حاضرة في الجغرافيا البشرية منذ أزمنة عديدة، وصداماتها متنوّعة، لكن المشترك بينها عبر التاريخ كامنٌ في قدرتها "الدائمة" على إنتاج عنفٍ وقتل وتدمير وإبادة (أو بالأحرى "محاولة" إبادة) وتبديل في الديموغرافيا وأنماط العيش. 

المسألة مختزلة بمفردتين اثنتين: "قبول الآخر". لكن نجيب بلقاضي يبتعد ـ في جديده هذا ـ عن نزاعات التاريخ وتبدلات الجغرافيا، وينغمس أكثر في حميمية علاقة مبتورة بين أبٍ وابنه، في ظلّ توتّر واضح في المناخ العائلي. ورغم أن بلقاضي، في فيلميه السابقين "VHS كحلوشة" (2007) و"بستاردو" (2013)، غير منفضٍّ كلّيًا عن حراك الاجتماع وأسئلة الثقافة والسياسة والاقتصاد، مستعينًا بجماليات السينما لتناول حراك كهذا؛ فإن إحدى أبرز سمات اشتغاله السينمائيّ تظهر في براعة اللغة البصرية في مقاربة هذا كلّه عبر طرق فرعية تتحوّل، غالبًا، إلى متن الحكاية، وإنْ بشكلٍ غير مباشر.

لذا، فإن معاينة "قبول الآخر"، من خلال سرد حكاية "إعادة التواصل" بين أبٍ وابنه، تعكس شيئًا من وقائع العيش في مجتمعات تبدو عصيّة على مصالحة داخلية، يُفترض بها أن تمنح هذه المجتمعات عيشًا أفضل وأهدأ وأكثر أمنًا. و"إعادة التواصل" منبثقة من حاجة ملحّة تفرض على الأب عودة إلى ابنه المتخلّي عنه قبل أعوام قليلة، وتدفعه إلى مواجهة ذاته وأشباح ماضيه، كي يتحرّر (أو كي يحاول التحرّر) من قيود تمتلكه، فتحول دون انتباهه إلى أن عيشًا هادئًا يمرّ عبر فهم الآخر والتواصل معه، وأن هذا كلّه نتاج مصالحة مع الذات.

تحليلٌ كهذا يضع "في عينيا" على مسافة مع تفاصيله الإنسانية البحتة، إذْ يُمكن التعاطي معه كنصٍ سينمائيّ يبغي قراءة مبسّطة لمسألة عميقة وحسّاسة: لطفي (نضال السّعدي) يُغادر منزله الزوجي وبلده تونس بعد عامين على ولادة يوسف (إدريس الخروبي)، المُصاب بمرض التوحّد. هذا يتّضح بعد دقائق من بدايةٍ تشي بمنحى مختلف: لطفي في مدينة فرنسية (مارسيليا) مع امرأة فرنسية يُحبّها للغاية تُدعى صوفي (آن باريس). هي حامل، ولديه تجارة (أدوات منزلية) وفريق عمل وأصدقاء وخلافات. بداية تقول إن أمور لطفي جيدة وعادية. لكن اتصالاً هاتفيًا يُبدِّل كلّ شيء: شقيقه سليم (عزيز جبالي) يطلب منه العودة فورًا إلى تونس، فزوجته، المتخلّي عنها وعن ابنهما، مُصابة بـ"سكتة دماغية"، وهي ممدّدة على فراشٍ أبيض في مستشفى تونسي.



السرعة، لا التسرّع، عماد البداية. أي أن التفاصيل الأولى، التي ترسم ملامح لطفي وعالمه المستقلّ خارج بلده ومجتمعه وعائلته وأهله، مُقدَّمة بتكثيفٍ درامي يؤسّس مسارًا لاحقًا يمرّ في مطبّات قليلة، لكنه يبقى متماسكًا في غالبية مشاهده ومناخاته وسردياته ووقائعه. فالعودة ملحّة لأن يوسف محتاج إلى رعاية، ولأن مشاكل قانونية ناتجة عن فقدان سارة (مريم عطوشي)، الأم والزوجة، قدرتها على رعاية يوسف المتوحّد. خديجة (سوسن معالج) تبقى المرأة الأكثر حضورًا في عالم لطفي ويوسف، فهي المعنيّة مباشرة بالاهتمام بالصبيّ في ظلّ غياب الأب أولاً، وبعد عودته التي تبدو كأنها غياب من نوع آخر، فهو غير مدرك حالة يوسف ومتطلّباته وكيفية التواصل معه ورعايته والاهتمام به. لكن لطفي مُصرّ، ويوسف غير متمكّن من الانصياع إلى "رجل" يدخل حياته فجأة ويسلخه عمن يعتاد البقاء معهم.

لن تكون العلاقة بين لطفي ويوسف سهلة. في الطريق إليه، يواجه لطفي تحدّيات كثيرة تُعرّيه شيئًا فشيئًا، فتضعه أمام مرآة ذاته. يكتشف قسوة ابتعاده عن يوسف وسارة، وغرقه في خديعة يمارسها مع صوفي، وامتلاكه حسًّا أبويًا يظهر سابقًا مع مشاهدته صُوَر الجنين الذي ينمو في امرأته الفرنسية. في الطريق نفسها، يبدو لطفي كأنه يبحث عن خيارات، يتوضّح بعضها القليل بإصراره على "انتزاع ـ استعادة" يوسف من الآخرين جميعهم، والذهاب معه إلى المنزل العائلي السابق. لكن بعضًا آخر من تلك الخيارات لن يكون سهلاً، والنهاية (رغم غلبة الوضوح عليها) "ملتبسة"، إذْ تضع لطفي أمام خيار مصيري. فثمن اغتساله من ذنب تخلّيه عن يوسف وسارة باهظ، خصوصًا مع وفاة سارة؛ وحضور صوفي في حياته بعد عودته إلى تونس معلَّقٌ ويحتاج إلى إجابة، وإن يوحي نجيب بلقاضي بشيء من ملامح المصير الذي ينتظر لطفي معها.



ينتقل نجيب بلقاضي، بعد 11 عامًا على تحقيقه أول روائي طويل له، إلى عالم إنساني مختلف، يبنيه بلغة سينمائية مختلفة أيضًا. تجربتاه السابقتان تختلف إحداهما عن الأخرى أيضًا، وهذا يقول إنّ الاختلاف تجربةٌ (الاختلاف على مستوى الاشتغال السينمائي، فالمواضيع مستلّة من بيئة يعرفها بلقاضي ويتابع مساراتها وتحوّلاتها، ويروي حكاياتها وأحوال ناسها) وبحثٌ عن عوالم وتفاصيل وأدوات تُعينه على اكتسابِ مزيدٍ من جمالية الصورة والمعالجة والبوح.

الكوميديا الساخرة في "VHS كحلوشة" تمزج عشق السينما بواقع حياتي في حيّ "كازميت"، أحد أحياء "سوسة". والفانتازيا الاجتماعية (إنْ يصحّ وصفٌ كهذا) في "بستاردو" تكشف قسوة العيش في مرحلة سابقة على اندلاع "ثورة الياسمين"، كأنّ في الواقع دلالات تعكس شيئًا من مفردات المقبل من الأيام.

الواقعية شديدة الحضور في "كحلوشة"، فعالمه منبثقٌ من أشياء الحيّ ومناخه وناسه. "بستاردو" غير مبتعد كلّيًا عن واقعية كهذه، مع أنه يميل أكثر إلى الاستعارة/ المجاز. قراءة الفيلمين تكشف أن لمنظومة السلطة فيهما كيانًا يفرض وجوده وإنْ باختلاف بينهما، وإن بشكلين غير متشابهين. لكن واقعية "في عينيا" أوضح وأعمق فهي مأخوذة من حالة اجتماعية مفتوحة على الذاتي والنفسي والانفعالي.

لكن، ألا يُمكن اعتبار المعنى المبطّن في تلك العلاقة المرتبكة بين لطفي ويوسف، والمقيمة في اهتزازات شتّى قبل بلوغها مرتبة أقرب إلى التسامح والتصالح، إسقاطًا على حال تونس اليوم، التي تعيش تناقضات وارتباكات بين غليان اجتماعي وقوانين عصرية وتنامي سطوة الانغلاق والعزلة والتجهيل؟ ألا يعكس العنوان، المستلّ من إلحاح لطفي على يوسف بأن ينظر في عينيه، شيئًا من فوضى العلاقات التونسية الراهنة، كأن نجيب بلقاضي يصرخ في برّية الخراب والمتاهة مطالبًا بضرورة "أن ننظر إلى بعضنا البعض"، لعلّ الالتباسات العالقة تعثر على بداية حلّ؟