نجاح ضد العطب

10 يوليو 2016
الصورة
تمثال في حديقة للتشجيع على القراءة في إيلازيج، تركيا(Getty)
+ الخط -
يعمد كتابُ مقالاتٍ وأعمدةٍ في صحفٍ ومجلاتٍ سيّارةٍ إلى إصدار مختاراتٍ منها في كتبٍ، يلقى بعضُها مقروئية طيّبة، ولا تفلح أخرى في إثارة أدنى اهتمام. وإذ تقترن المقالات في الجرائد والمجلات الأسبوعية (والمواقع الإلكترونية) براهنيّة موضوعاتها، عندما تكون تعليقاتٍ على أخبارٍ محدّدة، ووجهات نظرٍ بشأنها، فإن السؤال يصير وجيهاً عن أهمية أن تتلملم في كتابٍ، وهي التي يُزيح الالتفاتَ إليها جريانُ الأخبار الذي لا يتوقّف. ولأنّ الكتابة في السياسة ومستجدّاتها، وما يتتابع من وقائعها، سريعة الاستهلاك، وسريعة العطب في وصفٍ آخر، فإن تلك المقالات والأعمدة في الآداب والفنون، مثلاً، أقدرُ على حماية نفسها من هذا الاستهلاك وذلك العطب. ولكن، أياً تكن موضوعات هذه الكتابات، الصحفيّة في تصنيفها المألوف، فإنّ ما يُحقّق لها قيمةً تسوّغ جمعها بين دفتي كتابٍ مقدرةُ كتّابها على الإحالة إلى الجوهري العميق في الأحداث، وعلى أن تطلّ زوايا تناولهم الأخبار على البعيد والتاريخيّ والأساسيّ، وعدم الاكتفاء بالسطحيّ الظاهر. مضافةً إلى الأمرين اللغة التي تكونُ من مشتملات المقالة، وتحضر محتوى تعبيرياً يحمل إيحاءاتٍ وظلالاً تعين في الإضاءة على ذلك الحدث أو الخبر.
المقصد هنا أن أسباب نجاح معلقٍ سياسيٍّ أو ثقافيٍّ في تحقيق مقروئية واحترام طيب لكتابته اليومية أو الأسبوعية، في وسائط الإعلام المكتوبة، هي نفسُها التي ستيّسر نجاح كتابٍ، يضم مقالاتٍ وأعمدةً له، نشرها وقت أن استجدّت أحداثُ موضوعاتها، فالطزاجة ليست نقيض القدم عند القديرين من ذوي الموهبة المكينة من كتّاب الصحافة ومعلقيها. وعندما يقول غابرييل غارسيا ماركيز إن الصحافة علّمته طرق إضفاء الأصالة والصحة على قصصه، فإنه يرمي حجراً ثقيلاً على الأدباء الذين يطربهم رمي الصحافة ولغتها بالخفّة، وعلى من تسعدهم رطانتهم عما يرونها مخاطرَ للصحافة على الأدب.
وعندما تُخفق مقالاتُ كاتبٍ في الجرائد في أن تحوز انتباهاً عريضاً إليها، بل يتم استقبالها بأرطالٍ من النفور منها، لتواضع أسلوبها وضعف الخيال فيها ومحدوديّة معجمها، فإن من البلاهة أن يظنّ صاحبها قيمةً وجدارةً في كتابٍ يجمع فيه ما يكتب. وعندما بادرت صحيفتا الأخبار والسفير البيروتيتان إلى جمع مقالاتٍ للراحل جوزف سماحة في كتابيْن أصدرتهما بعد وفاته، فإنهما قدّمتا مساهمة مقدّرة في تأكيد القيمة الباقية للمقال الصحافي الناجح، بعد سنواتٍ وعقودٍ من كتابته. تجد في تلك المقالات نباهةً وحذاقةً ظاهرتين في الإفادة من التاريخ ومن التنظير الفكري الرفيع، ومن أعمالٍ أدبية وفنية أيضاً، مضافةً إلى هذا وذاك وغيرهما لغةٌ فيها احترافٌ خاص في ما توحي به، وما تحيل إليه من ظلالٍ تُثري ما يقصد سماحة قوله بشأن وقائع سياسية في غير بلد وإقليم، في سنواتٍ مضت.
تنويعٌ آخر من المقالة الصحفية العربية الرائقة، والتي تحقّق لقارئها مقادير من الإمتاع والمؤانسة، تلك التي يكتبها البحريني حسن مدن، ويجمع ما يختار منها في كتبٍ، جديدها "الكتابة بحبر أسود". تطالع تأملاتٍ وأفكاراً وانطباعاتٍ في غير مسألةٍ، ثقافية وفنية واجتماعية وأدبية، لكنك أيضاً تسعد بالبراعة في الإيجاز والتكثيف، وفي التقاط اللطيف والبهيج، والشفيف والأنيق، والبديع والجميل، في الأشياء والظواهر والمصادفات، وفي الأخبار التي من هنا وهناك.
أكتب هذه السطور، وبين يدي كتاب سمّاه صاحبه، غالي شكري، "يوم طويل في حياة قصيرة" (1978)، نشرت المقالات التي يضمها بين عامي 1972 و1975، وعلى الرغم من هذه المسافات البعيدة، إلا أنك، في مطالعتك كثيراً من تلك المقالات، تراك أمام حزمةٍ من أفكار وآراء، فيها ما ينفع في إدراك مستجدّات تطرأ في غير مطرح في العالم في الراهن الذي نعيش. وعندما يكتب شكري، في المقدمة، إنه ليس كاتباً سياسياً، وإن كتابه هذا ليس في السياسة، وإنما رحلةٌ في عمره وعمر القارئ، فكأنه يحاول مسبقاً الردّ على ما قد يُؤاخذ عليه كتابُه. أظنه لم يكن يحتاج هذا الأمر، بدليل قراءتي الكتاب باحترامٍ، ومن دون تبخيسٍ من شأنه، بل سعدت بما تيسر لي من معرفةٍ منه، على الرغم من وفرة حضور هنري كيسنجر والاتحاد السوفييتي.. والديمقراطية في التجربة العراقية (!).

دلالات

المساهمون