ناظر الرزيقات وجبر السياسات .. في السودان

23 يوليو 2020
الصورة

(إبراهيم الصلحي)

+ الخط -

تداولت الوسائط الاجتماعية السودانية قصة واقعية، اصطدمت فيها الإدارة المحلية، متمثلة في شخص الناظر إبراهيم موسى مادبو (ناظر عموم قبائل الرزيقات في الفترة 1920 - 1960)، بالنهم المادي لأحد التجار الذين لم يكن مطلبهم الاستهانة بالمورث الديني، وإنما طغت رغبتهم في تحقيق ربح تجاري، وتحصيل مردود آني. وذلك باستحداث بيع الخمور في دار الرزيقات في ستينيات القرن الماضي. أورد القصة إسماعيل محمد بخيت، باعتبارها وثيقة تاريخية، في صحيفة الصحافة في 6/8/2011، وعلّق عليها قبل أيام أحمد محمد عثمان من ولاية أوكلاهوما، في مقال قصير بعنوان "مادبو ناظر الرزيقات وإراقة الخمور". مفاد القصة بأن الناظر لم يكتف بإلغاء التصديق الذي حصل عليه التاجر من مفتش المركز، بل جلد التاجر أربعين جلدةً وأمر بإراقة الخمر ودفن الزجاج الفارغ، كي لا يتأذى برائحته الأهالي. عاتبت السلطات البريطانية سعادة الناظر على تكسير قراراتها التي لم يجرؤ زعيمٌ حينها على التصدّي لها في كل نواحي السودان، لكنه أعلمهم أن بيع الخمر والمجاهرة بالرذيلة يتعارضان مع موروثات قومه وقيمهم الدينية. 

في تلك الأيام الزاهيات، كان النظّار وزعماء الطرق الصوفية يمثلون المرجعية الأخلاقية لمجتعماتهم، وإن بدأ الأفندية تدريجياً ينافسونهم في سلطتهم التنفيذية، بحق ومن دون حق. أعد الإنكليز عدّتهم للخروج من السودان عام 1952، وكان من المفترض أن يخرجوا عام 1972، بالنظر إلى التدابير الإدارية، وليس الاستعمارية، فاستعجلهم الطامحون وحلّوا مكانهم من دون أن يتهيأوا للإدارة، أو يتدرّبوا على ممارسة السلطة التي قنعوا منها بالمظهر دون الجوهر. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن مقارنة الرعيل الأول، صاحب المزاج الوسطي والخلق النبوي، بالمجموعات الأيديولوجية التي تسلقت من القاع وصولاً إلى القمة، من دون أدنى معرفة بأسس الحكامة الحديثة أو القديمة. 

كان النظّار وزعماء الطرق الصوفية يمثلون المرجعية الأخلاقية لمجتعماتهم، وإن بدأ الأفندية ينافسونهم في سلطتهم

لم يفتأ السودان يعاني من شكل ذاك التنافس غير السوي، حتى بلغ دَرَكاً لا يكاد يؤمل منه في منجىً أو مخرج. كان الزعماء التقليديون ينظرون إلى الأفندية كأبنائهم، بل وشركائهم، الذين يعوّلون عليهم في نهضة البلاد. أمّا الآخرون، الأفندية التعيسون، فقد كانوا على بؤسهم وضيق أفقهم "يدسّون المحافير" كي يحتلوا مكانة أعمامهم أولئك، من دون أن يمتلكوا عظيم الصفات التي تجعل المرء يَسُود في قومه، وإذا لم يستطيعوا أن يرقوا إلى سامق قممهم، فقد سعوا إلى إزاحتهم وتجريدهم من صلاحياتهم، تجريداً دمّر السودان، وأربك كل بنياته الاجتماعية والاقتصادية. 

أغلب الظن أن لتوقيت القصة صلة بالأساليب التي تسعى مجموعات اليسار ويسار الوسط إلى حسم أمر المرجعية القانونية بها في دولة ما بعد نظام الإنقاذ. كِلا الأسلوبين غير مناسب في عالم اليوم: فالأساليب الأسدية (إشارة إلى الناظر مادبو الذي كان يلقب بخشم الباحش) والأساليب الخفافيشية (إشارة إلى الخفافيش التي لا تخرج إلا بالليل) ما عادت مقبولةً في عالم اليوم الذي تكتنفه تعقيدات سياسية واجتماعية جمّة. 

كان الزعماء التقليديون ينظرون إلى الأفندية كأبنائهم، بل وشركائهم، الذين يعوّلون عليهم في نهضة البلاد

أن يكون النظام السابق أساء إلى الدين وأمعن في الإساءة إليه لا يلغي مشروعية التدين، لكنه أيضاً لا يبرّر استدعاءه بصورة فيها نوعٌ من النوستالجيا كما يفعل العوام، أو يتقرّر إقحامه بصورة تسيء إلى المقاصد الحنيفية التي اتخذت الشريعةَ وسيلةً لتحقيق العدل، ولم تتخذها أداةً لتقنين الظلم، كما تفعل بعض النخب السياسية والعسكرية. أعجب حد الضحك والبكاء سواء، عندما أستمع لبعض العسكريين (الما بيغبوكم)، وهم يقولون "الشريعة خط أحمر". 

قبل التطرق إلى قضية تصميم السياسات وتنفيذها، لا بد أن نتبيّن الفرق بين فصل الدين عن الدولة، فصلاً يجعل الأخيرة في مسافة متساوية من الكل، (والكل لا يعني فقط المسلمين وغيرهم، إنما أيضاً جماعات المسلمين المختلفة والمتباينة في نظرتها لضوابط التشريع)، وفصل السياسية عن الدين إجراءً تعسفياً لا تستقيم معه حركة المجتمع الذي يستمدّ حيويته من قيمه، ويستلهم روحه من سردية الانتماء التاريخي لأمته.

تقوم ركائز الدستور على المبدأ الأول (فصل الدين عن الدولة)، وتنبثق مفهومية السياسات من المبدأ الثاني (اتساق السياسات مع القيم والمعتقدات). لا يمكن للسودان أن يستقر إلّا إذا أخذت الدولة مسافة متساوية من الكل، وذلك بتقنين المبدأ الأول، بيد أنه لا يمكن مطلقاً فصل القيم عن تصميم السياسات، وذلك بالإشارة إلى المبدأ الثاني. مثلاً، يمكن أن يكون هناك نظامان مصرفيان في ظل دستور علماني، لكن ذلك غير ممكن في ظل دستور ثيوقراطي يستمد مفهمويته من ممارسات قروسطية، ترسخت في مفاهيم بعض المسلمين أنها "الشريعة الإسلامية!". 

لا يلزم الدستور العلماني الجماعة بتبني وجهة نظر معينة، كما يودّ لنا "الخفافيش" أن نتصوّر، الدستور العلماني يضمن النظم ويضبط الإجراءات المؤسسية التي تهيئ للمواطنين في الدائرة المعينة تمرير القوانين التي يريدون العيش في كنفها، من دون عسف أو ظلم. 

 الفقه من دون أفق تنموي يصبح عالة، والتنمية من دون مرجعية فقهية تصير وبالاً. فلنحذر كلا الأمرين

الدستور العلماني، بعكس ذاك الثيوقراطي، لا يتبنى وجهة نظر محدّدة، كما لا يتبنّى أساليب ملتوية لتحقيق غايات صحية، أو أخرى مرضية، من شأنها أن تتضارب مع قيم المجتمع التي هي دوماً في تغير وتبدل. الدستور العلماني يفسح المجال للحوار العلمي والديمقراطي، لا سيما أن هناك آراء مختلفة ومتضاربة في شأن الخمور وتعريفاتها، لكن الفقهاء، في فترة تاريخية معينة، اتخذوا إجراءً حَرَّموا فيه النبيذ بأنواعه،... إلى آخره من القضايا الفرعية التي لا يسمح المجال لذكرها. وقد لا يملك الكاتب مجرّد الأهلية للخوض فيها، لأنه يتكلم من زاوية العلوم السياسية، وليس من الزاوية الفقهية المحضة. الدستور العلماني يُعَلْمِن المجتمع، بمعنى أنه يجعله أكثر عقلانية، كما يجعل السياسة أكثر أخلاقية، لأنه لا يعطي حق الوصاية لأحد. فأين هم العلمانيون من العلمانية وأين هم الإسلاميون (وحتى المسلمين) من الإسلام؟

أدلِّل في هذه السانحة على رجاحة ما ذهبت إليه، بإيراد جوانب تطبيقية، كي لا نضيع في متاهات الآراء الفقهية. في ظل الدستور العلماني، كانت نسبة المُعْسِرين 10% حتى أوائل الثمانينيات (عجزوا عن دفع استحقاقات الديون للبنوك)، في ظل الدستور الإسلامي، كانت نسبة المعسرين 90%. في ظل الدستور العلماني، كان المجتمع معافى. في ظل الدستور الإسلامي، ازدادت نسبة الأطفال غير الشرعيين، كما زادت نسبة الحوادث الناجمة عن السكر 400%، وذلك بعد عام 1984، هذا غير الجرائم الأخلاقية الأخرى التي بدأت بإفقار الشعب وانتهت بارتكاب الإبادة الجماعية. 

لا تحدّثوني عن "الشريعة الإسلامية" و"المشاريع الحضارية"، فقد رأيت مآسيها في أفغانستان وإيران قبل السودان، كلموني فقط عن الأخلاق المحمدية والنظم الحضارية، فقد رأيت ثمارها في تركيا وما جاورها من بلاد البلقان وماليزيا. أمّا بالنسبة لفلول اليسار ويسار الوسط (هنا يلزم التمييز بين الوطنيين الحادبين والانتهازيين الولهين الذين يوجدون داخل كل مجموعة)، التي اتخذت الفترة الانتقالية فرصةً لتمرير أجندتها وتقنين مواقفها الأيديولوجية، فأقول لهم كونوا شجعاناً وأجروا حواراً مع المجتمع، لا تفرضوا آراءكم، فنحن نعرف منعرجات فكركم السقيم، ونخبر منطلقات عقائدكم الفاسدة؛ اعملوا فقط على تقنين الوسائل والإجراءات التي تهيئ المواطنين لتحديد مواقفهم على دراية ورشد، إن استطعتم، وإلّا فما الفرق بينكم وبين الإنقاذيين الذين اتخذوا العماية وسيلةً لتحقيق أهدافهم التي لم تتجاوز سبل تقنين الوصاية؟

الدستور العلماني لا يتبنى أساليب ملتوية لتحقيق غايات صحية، أو أخرى مرضية، تتضارب مع قيم المجتمع التي هي دوماً في تغير وتبدل

الخفافيش التي تُسرب مقترحاتها ليلاً لمباني وزارة العدل أعملت فكرها ونهلت من عبقريتها، فخرجت علينا بقانونٍ يجيز بيع الخمر لغير المسلمين. ما قيمة هذا القانون في بلد لا تتجاوز نسبة غير المسلمين الواحد والنصف في المائة؟ لماذا لا نقرّ علمانية الدستور، ونترك أمر التشريع للمحليات، كي تتخذ من الإجراءات ما يتناسب وواقع مجتمعاتها وثقافة أفرادها؟ فقد رأيت الخمر متاحة في بعض الولايات الأميركية وممنوعة (انظر ليس محرّمة) في أخرى، كذلكم الدعارة والميسر (القمار). 

الأهم أن المجتمعات الغربية نجحت في أنسنة العلاقات بين الجنسين، مثلاً، فلا يلجأ إلى صحبة المومسات إلّا المرضى وأصحاب العاهات النفسية. وإذا كان الشباب في بلادنا يتخذون مجالس الأُنس سبباً للسُّكر، فإن الغربيين يشربونها ترويحاً عن النفس. ومع ذلك، تفيد الإحصائيات بأن الدولة في بريطانيا مثلاً تهدر 40% من الميزانية المدرجة للصحة بسبب إسراف المواطنين في تناول "المشروبات الروحية"!. 

السؤال: لتدارك هذا الخلل، هل كانت بريطانيا ستصدر قراراً يبيح بيع الخمر لغير المتدينين، لا سيما أن المسيحية تُحِل فقط شرب النبيذ، ولا تُقر الإسراف في تعاطي الخمور؟ الإباحة النسبية هي أخت التحريم، والتحريم لم ينجح مطلقاً في إحقاق الفضيلة، أو إلغاء حتمية الصراعات الفكرية، التي هي ظاهرة صحية، إذا اتُّخِذَت لها التدابير المؤسسية والضوابط القانونية، كأن يقام المؤتمر الدستوري المزمع أن تُناقَش فيه كل القضايا العالقة، فالواجب اتخاذ التدابير التربوية والتوعوية التي تنأى بالمجتمعات عن التهلكة التي تحدث من جراء اتخاذ الساسة طرقاً غير مباشرة لتحقيق غاياتهم العليا ومراميهم السامية. فلنخرج، إذن، وبسرعة، من "المستنقع الفقهي" إلى "الأفق التنموي". والمقصود من وضع المصطلحين بين المزدوجتين هنا أن الفقه من دون أفق تنموي يصبح عالة، والتنمية من دون مرجعية فقهية تصير وبالاً. فلنحذر كلا الأمرين.