نار داعش في الخليج

29 يونيو 2015
الصورة

في تشييع ضحايا الجريمة الإرهابية في الكويت (27 يونيو/2015/Getty)

بعد تفجير مسجد الإمام الصادق في الكويت، تكرر ما حدث في تفجيراتٍ سابقة في السعودية، في قرية القديح، وحي العنود في مدينة الدمام، فقد علت أصوات الاستنكار والشجب للحادثة، في مواقع التواصل الاجتماعي، فترة زمنية لا تتجاوز الساعة، قبل أن يعود الفرقاء إلى مواقعهم، في تراشق الاتهامات، وإظهار حقيقة الجو الطائفي الذي نعايشه في الخليج. وهنا، لم يعد خطاب التحذير من الانخراط في التأزيم الطائفي مُجدياً، فقد كان هذا يصلح قبل أحداثٍ كهذه، وهو أصلاً لن يجد تجاوباً مع موجات غرائزية، ينخرط فيها حتى من يعتبرون أنفسهم مثقفين "معتدلين"، غير أن النقاش بشأن ما أوصلنا إلى هذه الحالة، في عموم المشرق العربي، مهم في هذه المرحلة، كما أن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإنقاذ الخليج من نار الفتنة في الشام والعراق ضرورة ملحة.

يرى بعض الإسلاميين الشيعة أن المشكلة تكمن في المناهج الدينية والكتب والمحاضرات والقنوات الفضائية التي تروج الخطاب الطائفي، وهي الأساس في مثل هذه التفجيرات، ويوجهون أصابع الاتهام إلى الدعاة السلفيين، المنخرطين في التأزيم الطائفي، والتيار السلفي الحركي، باعتبارهم شركاء في الجريمة، أو القتلة الحقيقيين، وهم يفسرون بروز تنظيم داعش بوجود أسس يستند عليها، هي الأفكار الموجودة في تلك الكتب والقنوات السلفية. وعليه، يكمن الحل، في نظرهم، في إيجاد قانون رادع، تُقِرُّه الدولة، يلجم هؤلاء الطائفيين، ويمنع تكرار تفجيراتٍ كالتي شهدناها.
تبدو مشكلةً في فهم هذه الظاهرة، فتنظيم مثل داعش أعقد، في تكوّنه وبروزه، من قنوات فضائية طائفية، أو كتبٍ تباع في مكتبة، ولا يلحظ هؤلاء، مثلاً، أن أزمات الهوية لا علاقة لها بمستوى التديّن، أو اتباع تعاليم سلفية، فالبُعد الطائفي، كما يمكن أن نرصد، حاضرٌ عند مجموعات كبيرة من الناس، بمن فيهم غير الملتزمين دينياً، وحتى الملحدين. وبشكل عام، إن سحب كتبٍ معينة، أو إغلاق قنواتٍ فضائية، لن يمنع من يريد التفجير في الناس، وارتكاب مذابح. القتلة الحقيقيون هم تنظيم داعش، الممتد على مستوى الإقليم، والناتج عن صراعاته الأهلية، وليس القاتل فضائية سلفية هنا أو تغريدةً طائفية هناك، فالمسألة أعقد من هذا الاختزال الذي يتم ترويجه ضمن خطاب يحمل بنية طائفية أيضاً، هي الطائفية الناعمة، المشددة على تعايش الجماعات المذهبية، والعاملة على تسييس المذهب، وحفظ مصالح الطائفة، وتالياً تكريس التقسيم الطائفي في الوعي الجمعي.
لا يعني نقد هذه المقاربة تبرئة ساحة مجموعاتٍ من السلفيين التقليديين والحركيين، والإخوان المسلمين وملاحقهم، من تهمة التجييش الطائفي، وتسميم الأجواء بطائفية أشد بكثير، ولا يعني رفض اختزال الظاهرة بهؤلاء، عدم رفض طرحهم الفتنوي، أو الدفاع عن خطاب الكراهية المذهبي، ووجوده في المجال العام، وبالذات في مؤسسات الدولة، وعدم تحميله أي مسؤولية، فيما وصلنا إليه من انقسام، أو القبول بشعارات من نوع (دعونا من تصفية الحسابات)، إذ إننا في أزمة تستوجب مواجهةً فكرية صريحة مع هذه المجموعات الطائفية، وتصفية الحساب معها، وحشرها في الزاوية، فخطاب هؤلاء يضر السلم الأهلي والوحدة الوطنية، وهو خطاب يصل إلى حد تبرير الاحتراب الأهلي في المشرق العربي.
ولا يتوقف الأمر عند موتورين يرددون خطاب الكراهية، بل يتعداه إلى من يعتبرون أنفسهم "معتدلين"، من المراهقين فكرياً، والذين يصرون على ألعاب طائفية، من نوع المقايضة التي تعني عندهم أن يدينوا جرائم طائفييهم، ويدين الطرف الآخر جرائم طائفييه، ضمن تكريس حالة الانقسام، وتسجيل النقاط في مباراة ملاكمة طائفية، يتنافسون فيها على لقب المظلومية مع الآخرين. كذلك، فإنهم يحبذون ألعاباً مثل المفاضلة بين طائفيي الفريقين، للخلوص إلى نتيجة مفادها أن (طائفيينا أفضل من طائفييكم). وفي المحصلة، ليس عند هؤلاء أدنى إحساس بالمسؤولية، وبخطورة المرحلة، والنقاش معهم لا يجدي، لكن إدانتهم مطلوبة.
تساهم الأجواء الطائفية في توفير بيئة خصبة لنمو تنظيمات مثل داعش، وإذا كان الهدف حماية الخليج من الدخول في الدوامة نفسها التي نراها في الشام والعراق، فلابد من إيقاف نار الحرب الأهلية المشتعلة هناك، فداعش نتاج النار المشتعلة في المشرق العربي، وإطفاؤها ضرورة لإنهاء خطر هذا التنظيم وأشباهه، وليس من المعقول دعم إشعال هذه النار، وتشجيع تدفق المقاتلين والسلاح إلى سورية والعراق، وتوقع عدم وصول اللهيب إلى الخليج، إذ لا بد أن يتخذ التعامل مع الظاهرة مساراً واحداً في كامل المشرق، يتمثل في الحفاظ على كيانات الدول الوطنية، وإعادة صياغة شرعيتها على أسس المواطنة والهوية الجامعة لكل المكونات، ورفض تسعير الحرب القائمة اليوم في المشرق.
وصلت نار داعش إلى الخليج، والنقاش لابد أن يركز على ما هو أبعد من الفضائيات الطائفية، فمصير أهل المنطقة العربية مشترك، والحرب الأهلية في سورية والعراق تهدد الجميع، ولن يسلم من خطرها أحد، وبدلاً من تسعيرها بحجج مختلفة، لابد من الدعوة إلى إطفاء نيرانها، لأنها تعزز تنظيماتٍ مثل داعش، والخليج ليس جزيرة معزولة عما يجري حوله، وعلى دوله أن تُحصِّن نفسها، بالمساهمة في إنهاء الحروب الأهلية العربية.