نادي مشاة مارتاهلي

10 مارس 2020
الصورة
(ك. ساتشيداناندان)
+ الخط -

كان المشي بالنسبة إلى سوفيران هو التمرين الجسدي والتسلية الواحدة والوحيدة. شعر أحياناً أنَّ الأرض التي يسلكها هي السماء، وأنه كان نسيماً بطيئاً رخيّاً يهبّ عبر المجرّات. وشعر في لحظات كبرياء ممضة أنه مشى سلفاً إلى كابلافيستو أو كالفري أو مدينة أو داندي في ولاداته السابقة. وشعر أحياناً أنه كان يمشي في أماكن لم تلمسها قدماه أبداً؛ بومبي، كاتامندو، دمشق، طهران، إسطنبول، القاهرة، أثينا، لندن، برلين، باريس؛ أماكن أحبّ مشاهدتها، إلا أنه اعتاد تخيُّل أنه مشى إليها سلفاً، وعن طريق الروايات وقصص الرحلات، تعرّف بنفسه على الشوارع والحدائق والمعابد والمساجد والنصب التذكارية التي تنقط هذه الأماكن.

لا يمشي سوفيران في أماكن تخلو من الحوادث أبداً، ولا في أماكن منعزلة دائماً. ومع أن الناس وجدوا أنَّ من المُحال مجاراته، وقطع المسافات الطويلة التي مشاها، وهذا صحيح، إلا أنه ليس من النادر أن يركض كلبٌ متحمّس معه، أو تطير بقرة فوق رأسه في الاتجاه نفسه أحياناً. ومع أنّ الكثير من الأشجار أرادت المشي معه إلّا أن جذورها الراسخة في الأرض عميقاً لم تسمح لها بأن تمشي، وثبّتتها بإحكام في أماكنها. لهذا اكتفت بأن موّجت أغصانها ودعت له لتُرضي نفسها.

ودائماً كان هناك أناسٌ قليلون ينظرون، وتنظر قططٌ إلى هذا الماشي النشط البالغ من العمر ثلاثين عاماً، بل ويتجرّأ بعضهم ويسأله: "أأنت في عجلة من أمرك؟"، وعندئذ اعتاد أن يجيب بالنفي: "ليس لشراء حبوب عسر التنفس"، "ليس لدعوة القسّ لأداء طقوس وفاة أحدهم"، "لم تشعر أختي بأعراض الطلق بعد"، "لا.. لستُ متأخّراً عن مقابلة من أجل وظيفة"، "حبيبتي لا تنتظريني في المطعم"، "وليس لتدشين أي مسيرة احتجاج"، "لا.. منزلي لا يحترق"، "لا يطاردني تسونامي"، "ما زال هناك وقت قبل إغلاق متجر الخمور".. وهلمّ جرا. وربما لن يتجرّأ شخصٌ تاق إلى معرفةِ دافِعِهِ ذات يوم، على توجيه وقاحة مثل هذه مرّة أُخرى.

من النادر جدّاً أن يكون سوفيران عاد وسلك الطريق نفسه الذي سار عليه. اعتاد ألا يفكّر بما إذا كان الطريق الذي اتّخذه طريق خاطئين أو قدّيسين. ولهذا كان يُدرَج بين آونة وأخرى على لائحة المشكوك فيهم لدى شرطة الأخلاق. ولكن هل سبق لامرئ ثبّت عينيه على الأفق أن أمتلك وقتاً ليُطفئ أهواء جسدٍ هالك؟ هل سبق لامرئ تشبّث بالطريق الذي ارتحل عليه أن امتلك أي أهداف دنيوية؟ هل يمكن لامرئ موجود في كل مكان امتلاك مكان إقامة خاطئة؟

في هذا الوقت تآلف مع الشوارع والطرق ومتاهات أزقّة المدينة الجانبية. عرف أيّ مسار تسلكه كل حافلة أو مركبة ومتى ستمرّ. عرف أين ستقف، ومن الذين يستقلّون هذه المركبات. وعرف أيضاً كلّ الذين يستخدمون هذه السيارات، وأيّ مكتب أو كلية أو منزل يذهبون إليه. وكان يعرف يقيناً أيّ بقرة ستعبر الشارع وفي أي وقت. ويمكن أن يقول المرءُ، بمعنى من المعاني، إنه كان رسّام خرائط المدينة، مستودع ألغازها العديدة! حتى أنّ بعضهم شكّ في ما إذا كان نوعاً من شرلوك هولمز. ولكنهم لم يعتبروه شرلوك هولمز لأنه لم يكن معه واحدٌ يحمل اسم "واطسون"!

لا يُمكن لأحد التنبّؤ متى وكيف سيعترض سوفيران طريقه. فبعد كل شيء، هو لم يكن خط الاستواء، هل كان كذلك؟ هو لم يكن مخطّطاً جيداً على الإطلاق مع أنه ملاحظٌ حاذق. بعبارة أخرى، قد يكون أخفى خرائط طريقه عن قدميه. لم يفكّر حتى بشراء درّاجة أبداً، ناهيك عن شراء سيارة، مع أنه كان ثرياً بما يكفي ليفعل هذا بحصوله على عائداتٍ جيّدة من عمله لمدّة ساعتين يومياً بوساطة حاسوبه النقال.

كان يقيم في أحد مساكن ضاحية من ضواحي المدينة. كان "معتكفاً" هناك، هذا إذا جاز لامرئ القول. ولنكن محدّدين أكثر، هو أقام في مسكن على مشارف مدينة بنجلور، في مارتاهلي، وعمل لحساب شركة كبيرة في أرض بعيدة لم يزرها في حياته مطلقاً. ولو كان مستعداً للعمل بدوام كامل لما صعب عليه الحصول على وظيفة، إمّا في حيّ الحقل الأبيض في بنجلور أو في المدينة الإلكترونية. وكان هناك سببان وراء عدم محاولته الحصول على عمل بدوام كامل؛ أحدهما أنه عاش حياة بسيطة ولم يرغب إلّا في جعل كلا الغايتين تلتقيان: كان يخشى الأثرياء، والثاني، أين سيجد عندئذ وقتاً ليمضي في مسيراته الطويلة؟ العودة من المكتب متعَباً ثم المضيُّ إلى مسيرة طويلة سيكون أمراً قاسياً حقاً.

في البداية اعتاد المشي من مارتاهلي إلى متنزه كوبن والعودة. ثم غيّر مساره. من مارتاهلي اعتاد المشي ماراً بكورامانجلا وجاينجر وقلعة تيبو وملعب الغولف وجلاهلي عبر كلكاري وأنديرانجر ثم العودة إلى مارتاهلي. ويا له من نسيج من طرق جانبية في جاينجر وأنديرانجر للمشي من طرفها إلى طرفها الآخر!

وتدريجياً بدأت مسيراته تطول. وشملت أماكن مثل جيكني وهوسور وشولجري وكوبم. وذهب حتى إلى تومكر ودودابالابور وكوربور وكولر، ثم إلى كونجل ويريورا وماجادي ورام نجار، ثم مرة أخرى عبر تشيترا دورجا، وصولا حتى إلى ديفانجر، والعبور فوق كيمكري وبيدادي ورامنجا رام وتشينا باتنم ومادور ومانديا وستيرانجا باتنم، وحتى مايسور، ثم عبر سيفا سمودرم وتشامراجنجر وساثيامانجلم وبولاتشي ومنّار، وحتى كوديكنال عبر جونكوبا إلى مادكيري، وما هو أبعد، من مادكيري عبر سلطان بتيري وحتى أوتي، ثم العبور فوق كولر وتشيتور وترفلور، وصولا إلى تشاناي. وعرف تشناسندرا وجوداهلي وبوماناهلي ويشفنبور معرفة حميمة مثلما يعرف خطوط راحة كفّه. وشعر أحياناً كما لو أنه يمشي فوق علامات على امتداد بطن أمّ له، وشعر في أحيان أخرى أنه رسام خرائط.

وشيئاً بعد شيء سئم من مشيه منفرداً. وتساءل: ألا يمكن أن يكون هناك آخرون مهتمون بالمشي مثلي أيضاً؟ بهذه الكيفية اكتشف سوفيران آخرين يبلغ تعدادهم أربعة عشر شخصاً من محبّي المشي، أو بالأصح، اكتشف ثماني وعشرين قدماً تضمنت أقدام امرأتين.

عدد النساء كان قليلا، لا لأنهن لا يفضلن المشي، بل لأنهن، بعد قيامهن بوظائفهن اليومية والرعاية المنزلية الروتينية، لا يجدن المزيد من الوقت للمشي. واحدة من هاتين المرأتين كانت باحثة من طبقة الدالتيين المنبوذة الناطقة بلغة الكانادا تجري دراسة مقارنة موضوعها الأفكار عن الهند في أعمال، مثل رواية "طقس لرجل ميت" (سامسكارا) للكاتب يو. ر. آنانتامورتي، ورواية "الحجاب" (آفارانا) للكاتب س. ل. دايربّا، و "سيرة حياة شخصية في حي قرية" (أورو كيري) للدكتور س. سدالندياه. وكانت المرأة الأخرى ناشطة في مسائل الدفاع عن البيئة. ومعظم الرجال كانوا شباناً عاطلين من العمل، نعم، وكذلك الضباط المتقاعدون الثلاثة.

هذه هي الطريقة التي تأسس بها "نادي مشاة مارتاهلي"، وقامت غرفة سوفيران بوظيفة مكتب إدارة النادي. ومع أنه كان يفضل مكاتب متنقلة إلا أنه لم يتمكن من العثور على منازل أو مبانٍ متنقلة! وإلا كان عليه استئجار عربة نقل صغيرة مقفلة أو ما شاكلها، ولكنه لم يكن يمتلك نقوداً كافية. وبما أن الجميع لم يكونوا ملزمين بوجوب المشي في المسارات نفسها التي يسلكها غيرهم، كان سوفيران في أغلب الأحيان مستقلا في اختيار مساراته، ولكنه أذن في بعض الأوقات لبعض الأعضاء الآخرين بمرافقته. وكان من قواعد السلوك التي لا تقبل الجدل أن على كل فردٍ الاحتفاظ بدفتر يوميات يسجّل فيه تجارب مشيه اليومي، ويفترض أن يقدم الجميع هذه التجارب في لقاءاتهم يوم الأحد. فإذا تسنى لامرئ وضع كل هذه التقارير معاً، فستشكل رواية هائلة! ستكون رواية تكتسب فيها الكائنات الإنسانية والحيوانات والطيور والأشجار والنجوم والتراب الأهمية ذاتها بالتساوي. فلنترك القيام بهذه المهمة لأحد النوابغ، ميتاً كان أو حيّاً أو ما زال عليه أن يولد.

وقد يتمكن أحد ما من إحداث انعطافة رومانسية لهذه القصة هنا: مثلا أن تصبح هذه الباحثة الأنثى، التي تصحب سوفيران في أغلب الأحيان، على علاقة حميمة به، وتدريجياً تنتهي إلى أن تتزوجه.. وهكذا. ولكن الأمر الملحّ هو أن أوضاع الرقص والموسيقى الرومانسية المناسبة هذه يجب أن تُطوى صفحتها، وإلا لن تتقدم القصة بسهولة أبداً.

الباحثة براتيبا لم تصرف وقتاً إلا في متابعة هؤلاء الكتاب الثلاثة وعوالمهم. ولهذا فهمت، هي التي لا تزال شابة صغيرة السن، الفرق بين صور الهند كثلاثة بلدان كما تقدمها روايات هؤلاء الثلاثة. وشهدت أحياناً كيف أن هذه البلدان الثلاثة قاتل أحدها الآخر في البار أو الشوارع أو الريف. وفي كل مكان من هذه الأمكنة واصلت الهند البرهمية الفوز بدهائها الذي لا ينضب. وذات يوم، وأثناء أحد مشياتها، تسنى لبراتيبا أن تشهد الصحافي المفضل لديها غارقاً في دمه يتمدد على الأرض جثة هامدة محاطاً بعدد من المتفرجين. ولم تخطئ في الاستنتاج بأن الصحافي الميت كان هو الهند الحقيقية.

وغيّرت هذه المشيات نظرة براتيبيا إلى العالم تغييراً تاماً. بدأت تمشي بإيقاعات سير لمسافات طويلة. بدأت تبحث سرّاً عن المجرمين الذين ارتكبوا جرائم قتل مثل هذه في متاهة المسارات والدهاليز السيبرانية. وساعدت الشرطة على تعقب عدد من جرائم من هذا النوع. مع أن هذه ستكون قصة أخرى أيضاً إذا تمت متابعة كل هذه الجرائم جدياً في ما بعد.

أنا لم أتخيل أبداً أن هذه القصة ستتحول عن وجهتها لتصبح توثيقاً للواقع. أنا أكره النزعة الواقعية. ولكن هذا هو حال زمننا، بحيث ستتحول فيه القصة التي تتخيلها مهما كانت محالة إلى قصة واقعية في النهاية، أو ستقود حتماً إلى كثرة من الأفكار المتنوعة عن الأمة. دعوا الأمر عند هذا الحد. لقد امتلأت جميع خربشات أعضاء نادينا في دفاتر يومياتهم بمثل هذه الحوادث: التعدي على الأرض، جرائم قتل سرّية، قصص فسادٍ، نهب خيرات الغابات، صيد الحيوانات البرية، جرائم قتل الدالتيين المنبوذين، الاتحادات الليلية السرية بين من هم أعداء في النهار، جرائم القتل التي يرتكبها الرعاع باسم الأبقار والإله راما. ومع ذلك لدى الأعضاء بعض المدخلات الإيجابية أحياناً، مثل قصة حب سرّية تتجاوز الحدود بين الديانات، فتاة تحمل جرواً جريحاً ليتلقى علاجاً، بعض المؤسسات توزع حبوب الراجي والسكر، ومدخلات عن اجتماعات احتجاج صغيرة ترفع شعارات تطالب بالعدالة يندر أن تشاهد في هذه الأيام، وعن بعض الكتاب والفنانين الجريئين وهم يرفعون أصواتهم، أو عن شبان ينظمون أفراداً من قبائل سكان الهند الأصليين مع القليل من المواساة. ولكن مثل هذه المدخلات لم تكن إلا شبه يراعات مضيئة متفرقة في عمق الغابات المظلمة.

أحد أعضاء النادي، وكان ضابطاً في فرع جرائم التاميل، تحولت خربشات الأعضاء في دفاتر يومياتهم إلى مادة مفيدة له، على الرغم من أنه لم يستسغ كثيراً ما تحدّثَ منها عن أنشطة ضباط الشرطة الإجرامية، وعن مساعدتهم لبعض المجرمين الأثرياء. سوفيران هو من قدم بنفسه في غالب الأحيان أمثال هذه التقارير في الاجتماعات.

وهكذا سار النادي قدماً في أداء وظيفته بشكل جيد لمدة خمس سنوات. ولكن ذات يوم لم يعد سوفيران من مشياته المعتادة. ولأنه لم يعتد الكشف لأصدقائه عن اتجاهات سيره أو مساراته التي يتخذها، لم تجدِ كل عمليات البحث عنه نفعاً. بحث أعضاء النادي عنه وبحثت الشرطة، في كل زاوية ومكان منعزل، بما في ذلك في الغابات والجداول والجبال. وبما أن بارتيبا لم يُعثر عليها أيضاً، ظلوا يتخيلون حكايات موضوعها اختفاؤهما معاً. ومن هو ذاك الذي يمكن أن يتخيل أن الاثنين سيغرم أحدهما بالآخر ويهربان! في حين أن لا وجود لعلامة تدل على هذا في حركاتهما وإيماءاتهما. ففي هذا الوقت كانت بارتيبا تنتظر امتحانها الشفهي بعدما قدمت أطروحتها، وكانت تقوم بدراسة الجرائم السياسية في الولاية وفي محيطها، وستقدم ما تتوصل إليه في بعض هذه الاجتماعات. وفضلا عن ذلك، بدأ النادي تحت قيادتها منذ وقت قريب نشر نشرة يرأس تحريرها سوفيران تعتمد على تقارير يوم الأحد.

وبدأ عدد أعضاء النادي بالتناقص تدريجياً وهم يغادرون واحداً بعد الآخر لأسباب متنوعة. بعضهم توفي، وأصبح آخرون أكثر انهماكاً بأشغالهم؛ تغيير الوظيفة أو التقاعد. بعضهم انتقل إلى مدينة أخرى. وظلت اللافتة، "نادي مشاة مارتاهلي"، التي صممها سوفيران بنفسه على جهاز حاسوبه النقال في مكانها. وتمكن الجيران من سماع صوت خطواتٍ، يتناهى إليهم من الغرفة المنعزلة، لشخص ما يتمشى هناك بلا هدف في أيام الآحاد، ويقرأ بصوت مكتوم من دفتر يوميات عن مشياته وزياراته. وسرت شائعات عن شابٍ في منتصف الثلاثينيات من عمره اعتاد الظهور فجأة بجرح عميق نازف في صدره أحياناً في تيرتاهلي، أو في طريق مطار قديم، أو في مدينة شيفاسيمدار أو في ممرات الفيلة في ميديكري أمام المارة، ثم يختفي فجأة. ويدعي بعضهم أنه شاهد في تلك اللحظات الشبحية أيضاً امرأة شابة ترتدي تشوديدران أحمر بصحبة الشاب، وقد تحوّل لون وجهها وساقيها إلى اللون الأزرق.


* شاعر وناقد وكاتب هندي بارز (1948). يكتب بالمالايالامية لغة ولاية كيرلا ويُعتبر واحداً من روّاد الشعر بهذه اللغة. عُرف على صعيد جماهيري بموقفه المناوئ للتمييز الطبقي في الهند، ووقوفه مع قضايا الدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة وانتصاره للقضايا العادلة في مختلف أنحاء العالم وخاصّة قضية فلسطين. وله بالإضافة إلى أعماله الشعرية والسردية مساهمات نقدية مهمّة، في ما يتعلّق بالأدب الهندي المعاصر.

** ترجمة: محمد الأسعد

المساهمون