ناج لبناني من زلزال النيبال يروي قصته لـ"العربي الجديد"

ناج لبناني من زلزال النيبال يروي قصته لـ"العربي الجديد"

30 ابريل 2015
الصورة
مازن مروة خلال رحلته في النيبال (العربي الجديد)
+ الخط -


قرر المتسلق اللبناني، مازن مروة، السفر إلى النيبال من أجل ممارسة رياضته المفضلة، وهي الركض وتسلق الجبال. كالعادة لم يكن خائفاً أو متوقعاً لسيناريو سيّء، بل على العكس كان متحمساً للتجربة الجديدة التي سيعيشها في جبال النيبال الخطيرة.

مروة يروي تفاصيل الرحلة
هو شاب يعشقُ التحدي والمغامرة والطرقات الوعرة هي حياته. لكن الرحلة التي كانت جميلة في عيونه وعقله تحولت إلى كابوس لن ينساه، وعاش مازن 48 ساعة من الرعب والخوف وسط الدماء والدمار.

بدأت القصة المُرعبة، ليل الخميس، الواقع في 23 أبريل/ نيسان من عام 2015، اليوم الذي وصل مروة وأصدقاؤه إلى النيبال لبدء رحلة التسلق، نزلوا معاً في فندق داخل المدينة البعيدة عن جبال التسلق، وأبرزها قمة إيفرست وجبل "كاتماندو" الذي يطلّ على سهل كبير وواسع. استعد الجميع ليوم الجمعة الذي من المفترض أن يكون اليوم الأول في رحلة تسلق الجبال، والمرحلة الأولى كانت جبل "كاتماندو" وسهله الكبير، وبعد ذلك التوجه نحو قمة إيفرست في اليوم الذي يليه.

قبل 24 ساعة من الزلزال المُدمر الذي ضرب النيبال، أي نهار الجمعة الواقع في 26 أبريل/ نيسان 2015، بدأ مازن مروة والمجموعة التي كانت ترافقه رحلة استكشاف المعالم السياحية والدينية، وكل ما يتعلق بهذه الرحلة الرياضية، والأجواء كانت هادئة وسط سعادة للمجموعة كونها تستكشف مناطق جديدة في العالم، لكن قبل أن يخلد مازن للنوم في تلك الليلة، لم يكن يتوقع أن اليوم التالي سيُغير حياته رأساً على عقب، ويضعه أمام الخطر الذي لا يمكن مواجهته أو تفاديه، وهو خطر "غضب الطبيعة".

يوم الزلزال ورحلة النجاة
صباح السبت 27 أبريل/ نيسان من عام 2015، استيقظ مازن مع مجموعة المتسلقين الذين كان برفقتهم، كان صباحاً هادئاً والأجواء جميلة من أجل ممارسة رياضة تسلق الجبال. انطلق مروة والمجموعة باتجاه المحطة الأولى، وهي جبل "كاتماندو" وسهله، عند التاسعة صباحاً بتوقيت النيبال، عند الساعة 11:45، تخطى الجميع بعض الطرقات الجبلية الوعرة وصولاً إلى سهل "كاتماندو" الكبير، وبعد دقائق من ذلك وقع ما لم يكن في الحسبان وبدأ الكابوس المُرعب.

ضرب الزلزال القوي النيبال، عند الساعة 12 ظهراً بتوقيت النيبال، ولحسن حظ مازن مروة ومجموعة المتسلقين أنهم كانوا في منطقة سهلية مكشوفة، لأنه وبحسب مروة لو كانوا في أحد الجبال لأصبحوا في عداد الأموات الآن، لم يعرف مازن ماذا يحصل خلال دقيقتين تقريباً من الهزة القوية، قدماه لم تعد تحملانه على الأرض، إذ بدأ يترنح يميناً ويساراً وشعر بأن الأرض من تحته تتحرك، حتى كاد أن يقع على الأرض من شدة الهزة، شاهد بعينه الجبال تتحرك، الصخور تتناثر والأشجار تقع وكأن الدنيا تنقلب.

انتهى الزلزال الكبير وبدأت رحلة النجاة المحفوفة بالمخاطر بسبب الهزات الارتدادية التي رافقت الزلزال، كان من ضمن مجموعة مازن أحد الكشافين النيباليين الذين يعرفون المناطق والجبال هناك، وهذا الكشاف كان خير دليل على أن الشعب النيبالي اختبر الزلازل والكوارث الطبيعية في حوادث سابقة، إذ طلب من المجموعة الركض باتجاه الغابة المجاورة للاحتماء والاختباء هناك، وبعد دقائق من الهدوء الحذر، أمر الكشاف الجميع بمتابعة المشوار إلى أعلى الجبال مكان تواجد السيارة التي ستنقلُ المتسلقين إلى المدينة، ولم يكن أمام المتسلقين ومازن سوى صعود الجبل بغية الوصول إلى المدينة.

كشاف نيبالي يتدخل في الوقت المناسب
خلال رحلة الصعود التي تصل مسافتها إلى حوالى 4 كلم، ضربت النيبال أول هزة أرضية ارتدادية، الأمر الذي بث الخوف والرعب في قلوب المتسلقين، لكن لحسن الحظ أنها مجرد هزة ارتدادية نتيجة الزلزال، ولم تكن بالقوة الخطرة. وصل مروة رفقة المجموعة التي كانت تضم عدداً من اللبنانيين إلى السيارة، بدأت رحلة العودة التي كانت أطول ساعات حياة مازن والمتسلقين، بدأ طريق العودة من أعلى الجبل باتجاه المدينة "المنكوبة". يصف مازن الطريق بأنها من أكثر المشاهد رعباً في حياته، المنازل سُوّيت بالأرض، أطفال مشردون في الشوارع وناس منتشرون في كل زاوية.

يقول مازن، إن الشعب النيبالي شعب فقير جداً، إذ بدا واضحاً من المواطنين الذين افترشوا الشوارع هرباً من خطر الزلزال، فمنهم من كان بدون أحذية ومنهم من كان يحمل جرحاه بين الأيدي بغية إيصالهم إلى المستشفيات التي غصت بالجثث والجرحى، بعد ساعة، تقريباً، وصل مازن إلى المدينة مع مجموعة المتسلقين، المشاهد كانت مخيفة ومُرعبة ومن الصعب وصفها، فمعظم البيوت والمباني كانت مدمرة، وحتى المباني التي لم تدمر بالكامل، تعرضت لأضرار مادية كبيرة (دمار جزئي، سقوط شرفة، انشقاقات ضخمة تؤدي إلى انهيارات)، وصولاً إلى الفندق الذي يمكث فيه مازن وهناك بدأ الجزء الثالث من القصة المُرعبة.

48 ساعة من الخوف قبل السفر
وصل مازن إلى الفندق رفقة المتسلقين في حالة من الذهول والخوف بعد أن شاهدوا الصور المرعبة على طول الطريق من الجبل إلى المدينة، في هذه اللحظات كان مازن قد راسل أهله بطريقة محظوظة ليُطمئن العائلة على سلامته وسط هلع وذعر لدى عائلة مروة المتواجدة في دبي. دخل مازن باحة الفندق، لم يجد أثراً للطريق، فالدمار كان في كل الاتجاهات، تعرض جزء من الفندق للتدمير، لكن تم منع أي شخص من المكوث في الداخل خوفاً من الهزات الارتدادية، ليقضي مازن الليلة في العراء داخل باحة الفندق.

وطُلب من جميع نزلاء الفندق إحضار أغراضهم من الغرف والمكوث في المساحات الخضراء المحيطة بالفندق، حيثُ أشار مازن أن الوضع كان في غاية الصعوبة في تلك الليلة، أصوات الإسعافات متداخلة مع صرخات الناس التي تبحث عن أحبتها داخل الركام والحطام، أمور صعبة لا يمكن وصفها بسهولة. وحتى أن ليلة الزلزال كانت مليئة بالرعب والخوف، خصوصاً من الهزات الارتدادية التي كانت ضيفاً ثقيلاً، الأمر الذي صعب مهمة الحصول على قسط من الراحة والنوم، والوضع ازداد سوءاً بعد أن شهدت النيبال هزة أرضية ارتدادية جديدة، عند الخامسة من فجر الأحد، كما يصف مازن، ليستيقظ مازن ويرفض النوم من جديد.

البحث عن الجثث تحت الركام
صباح الأحد، لم يكن مختلفاً عن صباح الزلزال، رائحة الموت في كل مكان، الناس تبحث عن الأحبة والأصدقاء، هناك أب مفجوع يبحث عن عائلته التي اختفت تحت الركام. وهناك عند ناصية الشارع امرأة تندب على رأسها لهذا المصاب الأليم. إسعافات ومسعفون في كل مكان من أجل انتشال الجثث والجرحى العالقين. بعد ذلك توجه مازن ومجموعة المتسلقين لمعرفة مصيرهم في البلاد، فهم يريدون المغادرة بأسرع وقت ممكن. مشهد المطار كما يصفه مازن كان مرعباً، الآلاف من الناس ينتظرون دورهم، حتى أن دور مازن ومجموعته جاء بعد حوالي أربع ساعات.

لم يتمكن مازن من إيجاد رحلة على الطائرة المتوجهة نحو دبي بسبب الضغط الكبير على الرحلات الجوية، المشاهد داخل باحة المطار كانت مخيفة، الناس يفترشون الأرض فوق بعضهم بعضاً، البكاء والأسى واضحان على كل السياح، ومن بينهم بعض سكان النيبال الذين يريدون الهرب من الواقع المرير.

انتظر مازن حوالي 14 ساعة في المطار من أجل الحصول على مقعد في طائرة متوجهة إلى دبي، بعد أن واجه الكثير من المشاكل مع إدارة المطار المسؤولة عن الحجوزات، لكنه، أخيراً، تمكن من الصعود إلى الطائرة مع بعض الأشخاص من المجموعة التي كانت معه، ليودع مازن النيبال بكل أسى بعد أن عاش 48 ساعة من الرعب والخوف، وشاهد بعينيه الدمار الكبير الذي خلفه الزلزال.

النجاة بأعجوبة
وصل مازن إلى مطار دبي، ظهر الاثنين الواقع في 27 أبريل/ نيسان، وكانت العائلة تنتظره بفارغ الصبر بعد أن كان قلبها يعيش أصعب اللحظات لمدة 48 ساعة، استقبلته الوالدة بالبكاء، أمه التي عاشت أياماً صعبة جداً تنتظر أن يعود ابنها من الكارثة الطبيعية، ابنها الذي نجا من الزلزال، وربما لو قررت المجموعة تسلق جبل إيفرست في اليوم الأول من مهمتها، لربما تحولت القصة إلى رواية قاسية لا يمكن كتابتها أو وصفها.

عاد مازن مروة إلى عائلته سالماً بعد أن عاش لحظات مرعبة لن ينساها طوال حياته وسيرويها لأبنائه في المستقبل، لأنها فعلاً كانت حكاية نجاة من "جبل الموت" الذي اهتز تحت أقدام مازن، لكنه لم يهز قلبه الذي صارع الموت ووصل إلى بر الأمان بعد صراع دام 48 ساعة، ومرت بصعوبة بالغة لأن حياة مازن كانت على المحك. لا يمكن اعتبار مازن بطلاً لبنانياً، لكن يمكن القول، إنه متسلق لبناني نجا من مغامرة كارثية وانتصر وعاد إلى عائلته والبسمة على وجهه.

دلالات

المساهمون