ناجح بكيرات: الحفريات أنتجت الاحتلال ورحّلت الفلسطينيين

28 يوليو 2019
الصورة
بكيرات: الحفريات تشكل خطراً على الأقصى والبلدة القديمة(العربي الجديد)
دشن الاحتلال الإسرائيلي بداية تموز/ يوليو مشروع نفق استيطاني يسميه "درب الحجاج"، انطلاقا من بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، بمشاركة السفير الأميركي لديه ديفيد فريدمان والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط جيسون غرينبلات، ودشن مع ذلك الدعم الأميركي؛ فصلا جديدا من حرب الحفريات والأنفاق.

تحاور "العربي الجديد" نائب مدير الأوقاف الإسلامية رئيس أكاديمية الأقصى للوقف والتراث الدكتور ناجح بكيرات، حول ذلك النفق وشبكة الأنفاق تحت القدس التي تشكل حجر الزاوية في الترويج للرواية التوراتية، باستغلال أنفاق تاريخية، وقنوات مياه قديمة منتشرة تحت البلدة القديمة للقدس، عبر بكيرات خلال اللقاء عن قلقه الشديد من وصول تلك الأنفاق إلى أسفل المسجد الأقصى.

وفي حديثه عن نفق سلوان الجديد، تاريخيا وجغرافيا يقول بكيرات، إن حرب الحفريات مخطط لها ضمن محاور متعددة، وهذا النفق الأخير يأتي في محور التهويد الخطير، تهويد لقلع الجذور العربية والتراكمات الحضارية الإسلامية على مر التاريخ، ومحاولة لتزييف جذور يهودية من خلال افتتاح النفق الذي يربط بين سلوان وبين المسجد الأقصى والبلدة القديمة. فمدينة القدس قديما أو المدينة اليبوسية أنشئت كما يوضح على عين سلوان وما يعرف بتل الظهور، وبالتالي هناك ارتباط وثيق بين سلوان والبلدة القديمة والمسجد الأقصى، حتى أن بعض بوابات المسجد الأقصى سميت بباب العين، وانتشرت في هذا المكان أبنية من الفترات الإسلامية المبكرة، والقصور الأموية، والفترات الإسلامية الأولى سكنت ما بين عين سلوان والمسجد الأقصى، وأنشئت دار الإمارة الإسلامية هناك. ويضيف أن اليبوسيين حفروا أنفاقا متعددة للوصول إلى الماء، وتقع القدس من حيث النواحي الطبوغرافية على ثلاثة تلال؛ كل تلة فيها تهبط عن الثانية، بمعنى أن المياه تنحدر من الشمال إلى منطقة وادي حلوة، ثم إلى منطقة الوادي، ثم إلى منطقة وادي قدرون، ثم إلى منطقة وادي الربابة، وكل هذه الأودية التي تحيط بتلال القدس، تنحدر إلى طريق الوادي المؤدي إلى البحر الميت، بما يعنيه ذلك من وجود قنوات للمياه، مرتبطة بعضها ببعض. تلك القنوات حسب بكيرات أراد الاحتلال أن يستغلها، فقام بتدمير كل التراكمات الحضارية، وخلع كل الجذور العربية، وبدأ يستفيد من هذه القنوات المائية كي يصل إلى طبيعة الطوبوغرافيا، لأنه يبحث عن مسارات للوصول إلى المسجد الأقصى والبلدة القديمة، وهي مسارات تحت الأرض.

يعتبر بكيرات النفق الأخير من الأنفاق الخطيرة، فهو ممر سياسي وعسكري، وتحاول سلطات الاحتلال من خلاله خلق واقع جديد، ومشروع سياحي جديد، وأن تسيطر على المنطقة، ولأن إسرائيل برأيه تدرك خطورة هذا النفق، فقد دعت الولايات المتحدة وسفيرها، وكذلك دعت 85 منظمة أنفقت ملايين الدولارات على مثل هذه الأنفاق لتدشينه. ويعتقد بكيرات أن في ذلك رسالة قوية جدا للعالم، بأن إسرائيل اليوم، هي دولة تهدم كل ما يتعارض مع هدفها في القدس، لتحقيق الرؤية الصهيونية القائلة: "إذا وصلنا إلى القدس فلن نبقي أي أثر غير الأثر اليهودي"، وبالتالي نحن أمام تدمير وتزوير، ينسحبان على أكثر من 54 حفرية، وأكثر من 15 نفقا في المدينة. ويأتي هذا النفق كما يفصل بكيرات، ضمن مسار يقدم رواية توراتية على أن هذا "مسار الحجيج"، مؤكدا أن ذلك محض كذب، لأن النفق عبارة عن قنوات مياه، وهم يحولون برأيه علم الآثار من علم لاستنطاق الأرض، إلى فرض الرواية على الحفريات، ويضيف: "هناك فرق كبير جدا بين أن الأرض تعطيك النتيجة وتعطيك التحليلات، وتعطيك مكوناتها، وبين أن تأتي بخرافة، وتفرضها على الواقع". وحول وجود أنفاق أخرى تحفر تحت الأرض، يقول بكيرات: "كل شيء يمكن أن يتوقف في إسرائيل إلا الحفريات، فعلى مدار الأربعة والعشرين ساعة هناك حفريات، وهناك مضاعفة لأعداد الذين يشاركون في الحفريات، وهناك مضاعفة للإنفاق عليها". "كانت ميزانية الحفريات في عام 2015 قد وصلت إلى 10 ملايين دولار، في عام 2016 ارتفعت إلى 15 مليونا، وفي عام 2017 ارتفعت إلى 25 مليونا، واليوم هناك 30 مليون دولار تنفق على الحفريات، وتشرف عليها أكثر من جهة، ويتم فيها إقامة ما يسمى المتاحف، وتستغل بعمل ممرات لها، وهذا كله يشكل منظومة يهودية توراتية، ضمن ما تعرف بالحدائق التوراتية فوق الأرض وتحتها، لصناعة تاريخ ورواية جديدة، فنحن من خلال هذه الحفريات لم ندخل فقط في صراع سياسي، أو تاريخي، أو أثري، بل صراع الرواية، وصراع الإنسان، والصراع الديمغرافي، لأن الحفريات أنتجت الإحلال وترحيل الفلسطينيين".

ويعيد بكيرات الاهتمام الإسرائيلي بالحفريات والأنفاق إلى اليوم الأول للاحتلال، وحتى ما قبل ذلك، بما يعنيه من خطة لاستغلال ملف الآثار منذ العام 1881، حيث أرسل الباحثون ضمن المشروع المسمى "اكتشاف فلسطين"، وكذلك حفريات جرت عام 1964 بجانب المسجد الأقصى، لكن كل الحفريات كانت تدلل على عدم العثور على دليل واحد على وجود الهيكل، أو يدلل على أن هناك حضارة يهودية هنا. وبعد احتلال القدس عام 1967 هدم الاحتلال حارة المغاربة، وبدأت الحفريات من هناك وبدأ حفر الأنفاق منذ تلك اللحظة. "وأقيمت شبكة مخيفة جدا، فالآن يتم ربط خمسة عشر نفقا من خلال حفريات متعددة أسفل المدينة، فرغت أحشاء المدينة، وكل ما تحت الأرض أصبح يقدم ويروج على أنه توراتي، وعلى أن الذين بنوه هم اليهود، وهذا تزوير واضح وكبير جدا".

وكما يؤكد بكيرات فإن إسرائيل لم تتخل عن الحفريات، "وحتى هذه اللحظة توجد حفريات ممنوع علينا أن نعلم عنها، وهناك حفريات لم يعلن أصلا عن نتائجها، وكل النتائج التي تخرج هي تقارير غير حقيقية، ومزيفة". أما عما يحدث تحت المسجد الأقصى فيعبر بكيرات عن خشية كبيرة من وصول الحفريات إلى هناك، لكنه يقول: "حتى نكون صادقين أنا دخلت في معظم الحفريات، ونتيجة خبرتنا وتخصصنا بالآثار، منذ عام 1990 ونحن نتابع، وفي عام 1996 دخلنا في بعض الأنفاق، ومنذ ذلك الحين ونحن نحاول أن نصل إلى نتيجة، هل هذه الأنفاق تدخل إلى المسجد الأقصى؟، سرنا مع جدران المسجد الأقصى، لم نستطع أن ندخل في أية حفرية تحت المسجد الأقصى". "لا أستيطع أن أثبت أو أنفي، لأنه حين نصل إلى جدران المسجد الأقصى هناك أماكن مغلقة، ممنوع أن ندخلها، بحجة أن هناك ترميما". ويضيف: "أعتقد أنه يتم هناك حفر، نحن نشعر بقلق شديد جدا، وطالبنا أن تكون هناك لجنة عربية ودولية محايدة، ولجنة إسلامية، للوصول إلى هذه الحفريات، وأن تعطى صلاحية كاملة، طالبنا بتوفير جهاز لكشف الفراغات الموجودة تحت الأرض". "لماذا نشك؟ أولا لأن الاحتلال يمنعنا من الوصول إلى مناطق يتم الحفر فيها، نشك لأنه لا يعطي المعلومة الصادقة، نشك لأنه لم يوافق حتى على دخول منظمة اليونسكو، وأكبر ما يعزز الشك لدينا، أننا إذا أردنا أن نقوم بعمليات حفر داخل ساحات المسجد الأقصى، أو تبليط، أو إصلاح جزء بسيط، فممنوع علينا الحفر لأكثر من 50 سم، ومعنى ذلك أن هناك مؤامرة يقوم الاحتلال بعملها. ويضيف: "الذي يدعنا نشك أكثر أن هناك عشرات الآليات الصغيرة، التي تدخل وتخرج بأتربة خلال الليل من محيط المسجد الأقصى، هل هي من المحيط أم من تحت الأقصى؟ هذا يجري بسرية، وبالتالي نحن نشعر بقلق شديد ونتهم الجانب الاحتلالي بأنه يقوم بأعمال خطيرة، وأعمال مؤذية وأعمال مخالفة للقانون، وأن هذا الاحتلال يريد فعل شيء، وهذا ما يدفعنا للقول إن الحفريات تشكل خطرا على المسجد الأقصى والمصلين، وعلى المدينة برمتها، وعلى التراكم الحضاري والإنساني في المدينة". ويذكر بكيرات بما حصل في عام 1980 من اكتشاف حفريات إسرائيلية، حيث "تم فتح بوابة من جهة باب القطانين قرب المطهرة، وصولا إلى سبيل قايتباي، وتم شفط كل المياه، والوصول إلى درجات قبة الصخرة، بمعنى أنه في لحظة من اللحظات يمكن الاختراق والوصول من خلال الآبار، فإذا ما تملكوا تحت الأرض بالأنفاق فسيخرجون فورا إلى الطبقة العلوية، ويقولون نحن كنا في الأسفل، كنا بالجذور، الجذور لنا وما فوق الجذور لنا"، ويعتقد بكيرات أن الاحتلال يخطط بذلك لمعركة تهيئة المسجد الأقصى هيكلا مزعوما. تنتشر الأنفاق حسب بكيرات في كل محيط البلدة القديمة وداخلها، مثل حارة الشرف، وحارة المغاربة، والجهة الجنوبية من المسجد الأقصى، والقصور الأموية، وباب النبي داود، وباب الخليل، وباب العمود ومغارة الكتان، وبشكل مكثف جدا وبشكل غريب في سلوان جنوب الأقصى. لماذا سلوان؟ يجيب: "لأنها أنشئت على مدينة القدس القديمة، أو القدس اليبوسية التي أقيمت على عين سلوان، وبالتالي يريدون أن يحولوا هذا التاريخ اليبوسي والكنعاني، إلى تاريخ يهودي، ولذلك لجؤوا إلى سلوان لأن القدس أقيمت على عين سلوان بالأصل". أما الآثار المادية لتلك الأنفاق فقد امتدت على مدار سنوات الاحتلال، وصفها بكيرات بالآثار الجسيمة، "فالمسجد العثماني انهار نتيجة الحفريات، ودرج دائرة الأوقاف العامة انهار بكليته نتيجة الأنفاق، ومدرسة سلوان انهارت أرضيتها، وبيوت تشققت جدرانها، كمعظم بيوت الحي الإسلامي الذي يقع في الجهة الغربية من المسجد الأقصى التي تصدعت، ناهيك عن الآثار النفسية، والإزعاجات، والمصادرات، والمنع من الدخول وتحويل الأماكن إلى أماكن أثرية"، ويضيف: "هذه قضايا نعاني منها منذ خمسين عاما، فالحفريات خلقت واقعا جديدا بحجة الآثار، علما أن هدف الحفريات ليس أثريا، بقدر ما هو سياسي وعسكري، وتجاري". ويبقى الأثر الآخر على الرواية التي يتم ترويجها، "فحينما يأتي سياح إلى المدينة يلجأ الاحتلال إلى إدخالهم من الأنفاق وإخراجهم من تحت الأرض، كي لا يشاهدوا شيئا، وكي لا يشتروا شيئا، لضرب الرواية وضرب الاقتصاد في القدس، ومن يقود السياح هم أدلاء ومرشدون يحملون الرواية التوراتية".

وحول مواجهة مخططات الاحتلال ومشاريعه بالحفريات يقول بكيرات: " نحن لا نملك الصلاحية في موضوع الحفريات، إسرائيل جمدتنا تماما، الذي يملك الحفريات ويقوم بها هو سلطة الآثار، والجامعة العبرية والمنظمات الإسرائيلية، وبالتالي نحن نفتقد لعمل أي شيء، إلا من جهة واحدة؛ أننا نقاوم، قاومنا الكثير من الحفريات، قاومها المجتمع المقدسي وطردها، ولكن في بعض المواقع فرضت فرضا، والمجتمع المقدسي لم يتعاط مع الحفريات بسكوت، بل قام بفضحها، وأعتقد أن ما يمكن القيام به هو ثباتنا في بيوتنا، وصمودنا، وفضح هذه السياسات". وأضاف: "الحاضنة العربية لم تتحرك بشكل كبير لمحاكمة إسرائيل، وللأسف أن الوضع الإقليمي والعالمي اصطف مع إسرائيل وجاءت معاول الهدم الأميركية كي تشارك معاول إسرائيل، بالتالي فإن معركة الحفريات ليست سهلة، ولكن لا نملك فيها سوى الصمود، وأن نوصي بلجنة دولية تتدخل للاطلاع على ما تقوم به إسرائيل، وتفعيل قرارات اليونسكو"