نائلة برحال... الانتصار على سنوات "الجنون الدامي"

08 مارس 2017
الصورة
نائلة برحال (فيسبوك)
+ الخط -





امتشقت القلم حين كان الدم يلطخ شوارع الجزائر، وكان الصوت للقنابل والسيارات المفخخة، كل يوم يمر كان انتصارا حقيقيا على الموت وعلى "الكلمة" أيضا، فانتصرت على الخوف في كل حي وشارع وقرية ومدينة وولاية. إنها نائلة خليدة برحال التي بدأت الكتابة في الصحافة في عام 1995 إحدى سنوات "الجنون الدامي"، على حدّ وصفها.

لم يكن العمل الصحافي سهلا في الجزائر، عندما بدأ الرصاص يخترق أجساد الصحافيين واحدا تلو الآخر. وكانت نائلة قد انتهت لتوها دراستها الجامعية في كلية الإعلام في جامعة الجزائر. وتقول لـ"العربي الجديد": "هل يمكن أن يستعيد الصحافي شريط ذكرياته في سنوات تسعينيات القرن الماضي؟ أن يسترجع أخبار وأوجاع المجازر اليومية، التي تصدرت عناوين الجرائد الجزائرية في عهد التعددية الحزبية وحرية التعبير".


تبكي نائلة من فقدتهم في تلك الفترة من أقارب وجيران وأصدقاء وزملاء. تتذكر أسماء لامعة في الإعلام الجزائري غدرت بهم يد الهمجية وآلة الإرهاب، أمثال الصحافيين رشيدة حمادي وإسماعيل يفصح وسعيد مقبل وغيرهم، الذين تركوا في ذاكرتها أثرا بالغا.

الابتسامة لا تفارق الصحافية نائلة برحال، رغم كل الأوجاع التي تجرعتها، تكتشف الكثير من التفاصيل كونها إحدى ضحايا الإرهاب الدموي لكنها نجت من موت محقق رفقة والدتها، وتقول: "نجوت بأعجوبة من الموت في مجزرة بن طلحة عام 1997".

غادرت نائلة ووالدتها منطقة بن طلحة غرب الجزائر "المحرمة" عليها وعلى كثيرين في فترة الإرهاب، إلى حي بلكور الشعبي أو بلوزداد حاليا في قلب العاصمة الجزائرية القريب من دار الصحافة في ساحة أول مايو، هاربة من الذكرى السيئة ومن تهديدات ومتابعات الجماعات المسلحة، فهي من كانت تكتب عن تلك الجرائم يوميا في جريدة "اليوم"، التي كانت مدرستها الكبرى.



كانت الصحافية نائلة برحال تحلم بطرق بوابة المحاماة والقضاء، لكن كثيرا ما تضيع الطموحات في الطرقات وتتشعب وتختلط الأدوار والأحلام. وساق القدر نائلة نحو دراسة الإعلام ودخول ميدان الصحافة من باب المعلومة الأمنية. وتقول: "محيطي فرض علي التعامل مع الأخبار الأمنية، وصرت أعشق الصحافة بكل ما لها وما عليها".

تتبعت خطوات تفكيك الجماعات المسلحة، لكن هوس المعلومة بات يطاردها يوميا، لتقتفي آثار أي معلومة أمنية رغم التهديدات التي كانت تصلها. وواصلت كتاباتها على صفحات "اليوم" ثم صحيفة "الجزائر نيوز".

لكن شغفها بالتحقيقات والريبورتاج وتوسيع تجربتها دفعها لخوض تجربة في إحدى كبريات الصحف الجزائرية وهي "الشروق اليومي"، وكان اشتغالها مع رئيس التحرير أنيس رحماني تجربة مهمة في حياتها المهنية.

وتتابع "في الشروق اليومي عرفت الكثير من الأسماء اللامعة، وتظل تجربة فريدة". تذكر وقتها أن الرئيس الليبي معمر القذافي رفع ضدها دعوى عام 2006، وطالب بسجنها وبإغلاق الصحيفة، بسبب نقلها تصريحات عن زعماء قبائل الطوارق في الجزائر ومالي والنيجر، اعترفوا فيها بدعم القذافي لهم من أجل زعزعة استقرار الجزائر، لكنها خرجت من القضية منتصرة.

في عام 2008 حظيت بتصنيف من المجلة الفرنسية "جون أفريك" من بين الخمسين شخصية جزائرية الأكثر تأثيرا في صناعة الرأي العام، ومساعدة على تأسيس ملامح جزائر الغد، ما زادها قوة في مواجهة الأحداث. ثم انتقلت إلى عديد من الصحف، وتعمل اليوم في صحيفة "أوريزون" الحكومية صادرة باللغة الفرنسية، حيث "اكتشفت عالم الصحافة بلغة أخرى".

تعتقد نائلة أن مستوى الصحافة اليوم تدنى مقارنة بالسابق، كما ترى أن جيلا إعلاميا ذهب دون أن ينجح في تأسيس مدرسة إعلامية نتيجة الظروف والملابسات التي أحاطت بالعمل الصحافي في الجزائر. ولا تزال متعلقة ببصيص الأمل، وتعمل على توثيق تجربتها في عمل روائي.




المساهمون